بين الحريّة والتّسامح


س: الحريّة بمفهومها العلوي تصل إلى فضاءات واسعة، فيقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "لستُ أرى أن أجبر أحداً على عمل يكرهه". والأكثر من ذاك، فإنّه (عليه السلام) سمح لجمعٍ طالب بأداء صلاة التراويح (من بعد أن منع عنها لعدم وجود أصل إسلامي لها)، هل في ذلك إشارة الى أولوية الحريّة على الأمور الأخرى، أم إنّ "تسامح" الإمام (عليه السلام) مع الذين أرادوا أن يصلّوا التراويح لم يأت من باب حق الحريّة، بل لعله كان اضطراراً، لأنّ الأوضاع لم تكن تسمح له (عليه السلام) بمنعهم، علماً بأنّ الإمام (عليه السلام) حينها كان الحاكم الأعلى في دولة الإسلام؟
ج: تسامح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان من باب مداراة الحاكم الإسلامي لمختلف شرائح الأمّة، كما كان ذلك صنيع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع المنافقين في أيّام حكومته المباركة، كيف لا وقد قال الله تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي» البقرة: 256، وقال سبحانه: «إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا» الإنسان: 3، ممّا يعني: إنّ الله تبارك وتعالى أراد للإنسان أن يكون حراً في انتخابه ومختاراً في تصرفاته، وذلك بعد أن بيّن له الخير والشر، وبعد أن رسم له منهاجاً جامعاً وشاملاً، وأرسل رسوله الكريم به ونصب لرسوله أوصياء معصومين لإبلاغ هذا المنهاج السماوي القديم والاستمرار فيه والديمومة عليه، والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أولى الخلق بعد الرسول الكريم بتطبيق تعاليم السماء المتجسّدة في القرآن الحكيم والذي يقول بإراءة الطريق وبيان الخير والشر، والإفصاح عن الحق والباطل ثمّ ترك الأمر إليهم. وهذا هو الذي فعله الإمام (عليه السلام)، ولذلك تركهم وشأنهم بعد أن قرأ عليهم قوله تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونُصله جهنم وساءت مصيرًا». النساء:115.