من أسس التغيير


من التعمق بالعلم والجد في العمل، وهي من أهم أسباب الحضارة، أن الشيخ الطوسي(ره) المعروف بشيخ الطائفة في كتابه «الخلاف» يقول: هذا رأي جعفر بن محمد (عليه السلام)، وهذا رأي أبي حنيفة، وهذا رأي أم سلمة، وهذا رأي عائشة، وهذا رأي الزهري، وهذا رأي الثوري، وهذا رأي الأوزاعي، وهذا رأي أحمد، وهذا رأي مالك، وهذا رأي الفضل بن شاذان، وهذا رأي الصفار، وغيرهم وغيرهم.
نعم، هذا هو حال كتاب «الخلاف» لشيخ الطائفة، وكذلك هو حال العلامة الحلي(ره) في كتابه «تذكرة الفقهاء» وكتابه الآخر «مختلف الفقهاء»، فإنه قد أتى في كل من كتابيه هذين بمختلف الآراء لكل من العامة والخاصة أيضاً لنفس الغرض.
ثم إن من دأب الشيخ الطبرسي(ره) في كتابه «مجمع البيان» ـ على ما عرفت ـ هو ألا ينتخب النتيجة ولا يتعرض لاختيار الصحيح من الأقوال والآراء عادة، وإنما يقول: هو المروي عن الإمام الباقر والإمام الصادق (عليه السلام)، أو هو المروي عن الإمام علي ابن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام)، بينما قد دأب الشيخ الطوسي(ره) في كتابه «الخلاف» وكذلك العلامة الحلي(ره) في كتابيه «المختلف» و«التذكرة» على انتخاب الصحيح من الأقوال، وإبداء الرأي فيها، فيقولون بعد مخض الآراء: إن هذا رأينا، ودليلنا عليه كذا.
في الحقيقة إننا إذا اقتنعنا بالسطحيات، واكتفينا بالظواهر والقشور، ولم نتعمق في العلم، ولم نجدّ في العمل، ولم نتقنهما بقوة لم نحصل على دين ولا دنيا، ولا وجّهنا أنفسنا ولا وجّهنا غيرنا، وإنما نكون قد حشونا أذهاننا وأذهان غيرنا بأشياء غير صحيحة، وملأناها بما تتنافى مع حلال الله وحلال أنبيائه، فنكون بالنتيجة قد خسرنا ديننا، وأن خسران الدين وفقده يؤدي قطعاً وجزماً إلى خسران الدنيا والآخرة معاً، وذلك هو الخسران المبين.