انشغلوا بنشر فكر أهل البيت ولا تنشغلوا بالصراعات


قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من المؤمنين من أميركا واستراليا والسعودية، وذلك في بيت سماحته بمدينة قم المقدّسة.
وقال سماحته في جانب من اللقاء: في الحياة الدنيا، يمكن للإنسان ذي المقوّمات القليلة أن يوفّق أكثر من الإنسان ذي المقوّمات الأكثر. إنّ الشيخ الأنصاري(قده) ومنذ قرن ونصف، متحكّم على الفقهاء والعلماء من الناحية العلمية. فروآه وفتاواه مطروحة أكثر ممن كانوا قبله من العلماء، وممن جاءوا بعده، مع أنه رحمه الله لم يعمّر كثيراً، حيث توفّي في عمر السابعة والستين. وقبله عمّر الكثير من العلماء، أكثر من سبعين سنة وثمانين وتسعين. وكان الشيخ الأنصاري(ره)، أيضاً، يعيش بربع عَين، أي إنّ إحدى عيناه كان لا يرى فيها أصلاً، والأخرى كانت مصابة. ومع كلّ ذلك، صار الشيخ الأنصاري كما هو معروف ومشهور. وهذا الكلام سمعته من المرحوم السيد المرعشي النجفي(ره)، حيث كان كثير التتبّع.
وأوضح سماحته: عندنا في التاريخ، العديد من الناس، كان الأب منهم في القمّة، ولكن الابن وفّق أكثر من الأب، كالعلاّمة المجلسي. فالمجلسي الأب(ره) كان القمّة في العلم والتأليف، ولكن المجلسي الابنّ(ره) وفّق أكثر منه. وهكذا الشيخ الصدوق وأبوه. فقد كان الأب من وكلاء الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وكان يكاتب الإمام (عليه السلام)، ولكن الصدوق الابن وفّق أكثر من أبيه. والمهم هنا، وكما يقول القرآن الكريم هو العزم، فالإنسان لا يُوفّق بالمؤهلات، بل يوفّق بالعزم، فكم من صاحب مؤهّلات لم يوفّق، والعكس بالعكس أيضاً.
وذكر سماحته قصّة من واقع الحياة، مشيراً إلى أن الدنيا اليوم بحاجة كبيرة وكبيرة إلى فكر أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وقال:
قبل حوالي أكثر من مائتي سنة، كان يعيش في مدينة أُرومية الإيرانية عالم مسيحي، وكان نشيطاً جداً، ويتمتّع بذكاء وجدّ بالغين، حتى أنه أصبح قسّاً وهو في الثانية عشرة من عمره، فنقلوه إلى الفاتيكان، وتربّى على يد كبار القساوسة والكرادلة. وبعد عودته من الفاتيكان أصبح رئيس الكنائس كلّها في إيران. فصادقه أحد أهل العلم من أتباع أهل البيت (صلوات الله عليهم)، واستطاع أن يغيّره بعد مدّة من التباحث والمناقشة، فأصبح شيعياً، وبدّل اسمه إلى محمد صادق، تيمّناً باسم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وحفيده الإمام الصادق (عليه السلام)، ولقّب بـ(فخر الإسلام)، وألّف كتباً في الدفاع عن الإسلام وردّ المسيحية، أحدها يتألّف من ثمانية مجلّدات (بالطبعة الحجرية ـ الخطّية)، وهو (أنيس الأعلام في نصرة الإسلام)، وكتاب آخر في عشرة مجلدّات، تحت عنوان (بيان الحق)، حيث خصّص المجلد الرابع منه (في الطبعة القديمة الحجرية) للحديث عن شخصية النبيّ(ص) وتاريخه ومعاجزه الواردة والمذكورة في كتب المسيحية، وأنا شخصياً قرأت هذا المجلّد في كربلاء المقدّسة، ولو طبع طبعة جديدة، ربما زاد على الأربعة مجلّدات؛ وصار يتجوّل في مدن إيران ويلقي الخطب، ويدعو الناس إلى أهل البيت (صلوات الله عليهم)، فاهتدى على أثر ذلك الكثير والكثير من النصارى (المسيح) في إيران.
وعقّب سماحته، قائلاً: إنّ فكر أهل البيت (صلوات الله عليهم) قمّة، ولكن يجب إيصاله للناس وببلاغ مبين، كما يذكر ذلك القرآن الكريم، أي بلاغاً مقنعاً. فإذا وصل هذا النوع من البلاغ المبين المقنع، فسيقبله الناس، لأن المعاندين من الناس هم قلّة، ممن وصفهم القرآن الكريم، بقوله عزّ من قائل: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم).
وأضاف سماحته: كما أن المجالات في دنيا اليوم مفتوحة للعمل، وتوجد الفرص لبذل الجهود في سبيل إيصال فكر أهل البيت (صلوات الله عليهم)، ونشره في العالم، وتعريفه للعالمين. ومادام الإمكانيات متوفّرة وموجودة في الدنيا، وكذلك وجود الحريّات، فيجب استثمار ذلك في نشر فكر أهل البيت (صلوات الله عليهم). واعملوا أن أهل البيت في دنيا اليوم مظلومون أكثر من زمان حياتهم. ففي أيّام حكم بني أميّة وبني العباس، لم يكن بالإمكان التبليغ لهم (صلوات الله عليهم)، ولكن اليوم هذا الأمر ممكن، وهذا بحاجة إلى تظافر الجهود، والتكاتف، ووحدة الصفّ الشيعي، حتى تكون الموفقيّة أكثر.
وقال (دام ظله): المهم في هذا الأمر، أيضاً، هو صناعة الأفراد أمثالكم، وهذا بحاجة إلى الوقت الكثير، وعليكم بالشباب. كما أوصيكم بالانشغال والاهتمام بنشر فكر أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وصناعة وتربية الأفراد فقط وفقط، والابتعاد عن الانشغال بالصراعات، مهما كانت، واجتنابها كليّاً. وإذا عزم الإنسان على ترك السلبيات فسيوفّق، والعكس بالعكس أيضاً. وإذا عزم الإنسان على ألا يعتني بالسلبيات، قد يُبتلى بها أقلّ وأقلّ. فالذين انشغلوا بالسلبيات، ماذا قدّموا؟ وماذا خلّفوا من آثار؟ والجواب هو: لا شيء.