البصرة لها تاريخ عظيم وبحاجة للنهوض لمستقبل أفضل

 

البصرة لها تاريخ عريق وعظيم. والألوف في تاريخ البصرة قد ضحّوا تضحيات كبيرة، منذ مئات السنوات حتى اليوم. وهذه البصرة اليوم بأيديكم، وبحاجة إلى تضحيات أيضاً.

هذا ما بيّنه سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)، في توجيهاته لوفد من (مؤسسة الوميض للتنمية والتطوير من محافظة البصرة) الذين زاروا سماحته في بيته بمدينة قم المقدّسة.

وقال سماحته: لا يولد العظماء وهم عظماء، بل يولدون كسائر الناس، رجالاً ونساء، ولكن هم الذين يصنعون العظمة لأنفسهم، وصنع العظمة بحاجة إلى كلمة، سواء للرجل والمرأة، ورجل الدين ورجل الأعمال، وصاحب مؤسسة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، أو اقتصادية وغيرها، وهذه الكلمة هي: لا للبحث عن الراحة. فمن يلتزم بهذه الكلمة سيكون نصيبه التوفيق، وبديهية هذا الأمر كمسائل الرياضيات، أي أنّ اثنين في اثنين يساوي أربعة، ولا يساوي ثلاثة أو خمسة. فاقرأوا تاريخ العظماء لتعرفوا ذلك، أي العظماء من المؤمنين والمؤمنات وغيرهم، علماً بأنّ المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) في محلّهم الرفيع، والمقصود من هم دونهم.

وأوضح سماحته: أنقل لكم باختصار قصّة من التاريخ، وأنتم ابحثوا عنها أيضاً، في زمن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبالحجاز، كان رجلاً نصرانياً من رهبان النصارى، ومات على النصرانية، واسمه (سُن سُن)، وكان عنده أولاد، اسم أحدهم (أعْيَن)، ومعنى أعين بالعربية هو من يتميّز أو متميّز في عينه. وهذا أعين انتقل من النصرانية إلى الإسلام، وصار مسلماً، ولكنه منحرفاً عن أهل البيت (عليهم السلام). وهذا حدث في زمن الإمامين الحسنين (عليهما السلام). وتوفي أعين على ذلك،

كان لـ(أعين) عشرة أبناء وبنت واحدة، وكانوا في زمن الإمامين السجّاد والباقر (عليهما السلام). وهؤلاء كانوا تبعاً لأبيهم، كلّهم منحرفون عن أهل البيت (عليهم السلام). وكانت بنت أعين تسمّى بأمّ الأُسود (بضمّ الألف والسين)، وكانت في زمن الإمام السجّاد (عليه السلام) الذي كانت ظروفه من أعنف الظروف ضد أهل البيت وشيعتهم.

وأضاف سماحته: لو تلاحظون زمن الإمام السجاد وفي تاريخه (عليه السلام)، ترون أنّ الإمام ما كان عنده خطاباً إلاّ في الشام فقط، وهذا ما يدلّ على عنف تلك الفترة. ففي تلك الظروف الحالكة والعنيفة جداً ضد الشيعة، حدثت واقعة الحرّة، التي قتلوا فيها كثيراً وأفسدوا كثيراً. ولكن كان الإمام السجّاد (عليه السلام) يشتري العبيد والإماء، ليعيشوا معه، ويعلّمهم التقوى والإيمان والأخلاق، وبعدها يعتقهم لينتشروا في البلدان، وكان هذا نوع من أنواع التبليغ، حيث لم تك الظروف للإمام زين العابدين (عليه السلام) مساعدة على عمل شيء إلاّ هذا العمل، أي شراء العبيد والإماء وتعليمهم وتربيتهم، ثم عتقهم ونشرهم مبلّغين في البلدان.

وقال سماحته: في تلك الظروف الحالكة، تشيّعت أمّ الأُسود، بسبب بعض المرتبطين بالإمام السجّاد (عليه السلام). وصارت هذه البنت سبباً لتشيّع ثمانية من إخوتها، وصار هؤلاء قمم في أصحاب الإمامين السجاد والباقر (عليهما السلام)، وبعضهم بقي إلى زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، وصاروا من خيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ومنهم صار من الجيّدين، حتى في زمن باقي الأئمة من بعد الإمام الصادق (عليه السلام).

وشدّد سماحته مخاطباً الضيوف الكرام: هذه أمّ الأسود لم تنل هذا التوفيق بالراحة، وهذا من ديدن العظيم والعظماء. فالعظيم يبحث عما يمكنه أن يعمله، ويقدّمه، سواء كان صعباً أو سهلاً، وفي برد وحرّ، وجوع وعطش، وفقر ونقص ومرض، وغيره. والبصرة قدّمت الكثير من التضحيات بالأرواح أيام البعثيين، وقبلهم أيام الحكّام السابقين. وكذلك قدّمت تضحيات بالأموال والشخصيات والعلماء والتجّار، واليوم المسؤولية عليكم، أنتم رجالاً ونساء، فالبصرة بحاجة إلى عظماء، وحاولوا أن تكونوا أنتم.

وبيّن سماحته: أذكر في الخمسينيات والستينيات، أنه نقلوا بأن مجالس العزاء الحسيني في البصرة، في شهري محرّم وصفر، كانت أكثر من مجالس العزاء الحسيني في العراق كلّه، بما فيها النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد. فمن الممكن أن تصعدون أنتم بتاريخكم وحظّكم اليوم.

وأكّد (دام ظله): أهم شيء فيما يجدر أن تهتموا إليه في أعمالكم هم الشباب، بنين وبنات، في المدارس والجامعات وبالوظائف والدوائر وغيرها. فعليكم بتربيتهم. بلى إنّ تربية الشباب صعبة وصعبة، جدّاً وجدّاً. أما صنع إنسان وتوجيه إنسان فهو مهمّ جدّاً، وتحمّلوا السلبيات والمشاكل، حتى تعملون أكثر وأحسن.

وذكر سماحته مثالاً راقياً على تحمّل المشاكل، وقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو أشرف الأولين والآخرين، وكان يعطي من قوته، وهذا ما ذكرته كتب الأحاديث والتاريخ، فعندما كان (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنوّرة، أي عندما كان رئيساً للحكومة، كانت تجبى إليه الأموال، وتخرج من يديه الشريفتين، وفي هذه الفترة جاء (صلى الله عليه وآله) ذات يوم عند فاطمة (عليها السلام)، فقدّمت له طعاماً، فقال لها (صلى الله عليه وآله) وهو أصدق الناس: منذ ثلاث لم يدخل جوف أبيك شيء. وكما هو معلوم أنّ ثلاث تختلف عن ثلاثة، فثلاث يعني ثلاثة أيام وثلاث ليالي، إي أنه (صلى الله عليه وآله) في اثنين وسبعين ساعة، لم يأكل شيئاً حتى نصف تمرة، وهو حينها رئيس حكومة، والقرآن الكريم يقول لنا: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).(الأحزاب: الآية21).