رؤية إسلامية

 

المجتمع المدني .. تعريف وأدوار (3)

 

إن المجتمع المُنظّم هو الذي تكون هيئاته وتنظيماته هادفة إلى منح جميع أفراده الفرص الكافية المتكافئة والمتعادلة، لإشباع حاجاتهم في الحرية والحياة الكريمة، ولكي يتمكن المجتمع من الارتقاء لهذا المعنى، لا بد لطليعة أفراده أن يؤدوا الخدمة للصالح العام بحيث يشعر هذا الفرد، إنه يؤدي دوره في الحياة فيما إذا عمل من أجل المجتمع.

من جهة أخرى، فإن من خصائص الديمقراطية، أنها تدفع أصحاب الموهبة والكفاءة للبروز، وتوفر لهم أسباب العمل والنجاح، والبيئة التي تساعد على إشغالهم المواقع التي يستحقونها، فتفتح أمامهم الطريق واسعا، ليظهروا إمكاناتهم في ميدان العمل العام.

وإن هذا الكسب الذي يبدو في النظرة الضيّقة إنه مكسب فردي غير أنه في الواقع العملي والمحصلة النهائية، إنما هو مكسب للمجتمع، ليتقدمه ويقوم بخدمته، من هو الأكفأ والأجدر على ذلك.

ولذلك لابد للنظام الديمقراطي من أن يجري نفس آلية التنافس الحر في اختيار القادة للنظام السياسي، ومثلها في اختيار المؤهلين للخدمة الاجتماعية العامة، عملاً بالمثل القديم "الوظيفة هي التي تظهر قدرات الإنسان" .

فمن أجل إعداد القادة المؤهلين للخدمة الاجتماعية، يوفر المجتمع الديمقراطي فرصة للنخب المؤهلة وذات الكفاءات النوعية للانضمام إلى مجموعة كبيرة من المنظمات والجمعيات والهيئات والمؤسسات التطوعية، غير الحكومية، NGOs، فيما يطلق عليها اصطلاحًا، بالمجتمع المدني (/ Society  Civil C.S).

وبرغم أن مفهوم المجتمع المدني أكثر إتساعًا من ذلك، لأنه يشمل أنشطة وفعاليات أخرى فاعلة في المحتمع، وإنْ تكن غير منخرطة بتنظيم أو منظمة، ومنها دور الفرد والأسرة، وحتى العشيرة في المجتمع ذات الطبيعة القبلية، وكذلك دور الرأي العام، والنشاط الجماهيري العفوي، وحركة الشارع ونبضه ومزاجه، ورؤيته للحكم والدولة، وتطلعاته ورغباته وحاجاته، فضلاً عن فعالياته المختلفة، المنظمة منها وغير المنظمة، غير أن هذه المنظمات، لجهة كونها الحجم الرئيس في الفعاليات المجتمعية، أصبح عنوانها متماه ومعبر عن المجتمع المدني.

إن هذه المنظمات غير الحكومية، التي يتشكل منها الحجم الأكبر من المجتمع المدني، لا تخضع لسيطرة الحكومة، ولا تُمولّ من قبلها، وإن من حق الأفراد في المجتمع الديمقراطي، الانضمام بحرية اليها بشكل واسع.

وهذا أمر جوهري وأساس، بالنسبة للنظام الديمقراطي وآلياته، فعندما تتّحد وتشترك مجموعة من الأفراد، أو جزء من المجتمع، تربطهم مصلحة مشتركة، أو اهتمام مشترك، فذلك يمنحهم قدرة أكبر، لإسماع أصواتهم، وإمكانية تأثيرهم، في مجمل المسائل العامة في الدولة والمجتمع، مما يؤهلهم لأن يكون لهم صوت مسموع في قضايا الساعة العامة، ورأي في القرارات والإجراءات التي تتخذ في هذا الشأن، بما يعبر عنه بمجموعات الضغط.

وبالتالي سيكون لهم حضور في مراكز صنع القرار ومتابعة تنفيذه، وهي المجلس أو الجمعية أو الهيئات المنتخبة، ذات الوظيفة التشريعية أو الرقابية أو الاستشارية في الدولة، إذ أن تمتع مكونات المجتمع المدني، بدرجة من الاستقلالية، يحفظ لها مكانًا وسطًا بين الدولة وعموم المجتمع، بما يضمن للحكومة المنتخبة، ويفرض عليها اضطلاعها بالدور المتوازن، في التعبير عن إرادة القاعدة الشعبية، وثوابت الأداء الديمقراطي.

اصطلاحًا

يعود مصطلح المجتمع المدني، إلى فلاسفة العقد الاجتماعي، الذين تعاملوا مع العلاقات التنسيقية والتعاونية بين الأفراد، باعتبارها علاقات منشئة للمجتمع وحافظة لاستقراره، ثم تطوّر المفهوم، ليوصف باعتباره شبكة من التفاعلات التلقائية، القائمة على العادات والأعراف والتقاليد، بما يعبر عنه بالثقافة العامة Culture، ضمن المفهوم الأوسع للمفردة، ليتميز بذلك مقصد المجتمع المدني، عن مفهوم الدولة، التي توصف بأنها مجموعة من المؤسسات السياسية والقانونية، التي تمارس في إطارها، شبكة العلاقات المكوّنة للمجتمع.

وبرغم هذه الجذور التاريخية للمفهوم، إلّا أن استخدامه بشكل مكثف في أدبيات السياسة المقارنة، ارتبط بالتطور في إتجاه الديمقراطية ومدركاتها، وعليه فان مفهوم "المجتمع المدني"، قد ولد في رحم البناء الديمقراطي، فاصبح يعبّر عن مجموعات المنظمات الاجتماعية غير الحكومية، التي تتمتع باستقلاليتها عن الدولة، وتعبّر عن إرادة القاعدة الشعبية الاجتماعية، وتمثل المؤشر الاجتماعي للحكومة، والضمانة للثوابت الديمقراطية فيها.

ولجهة الحكومة، فإن المجتمع المدنيّ يمثل الضمان لحصولها على الثقة الشعبيّة، من خلال نواب الشعب وممثليه المنتخبين، والمصدر الحيوي لاختيار الإئتلاف السياسيّ وتكليفه لتشكيلها،  فهو ليس جزءً من الحكومة أو الدولة، ولا يهدف أو يسعى، لإشغال أية مواقع في مؤسساتها، ولا يشكل جزءً من سلطاتها، وإنْ كان يُعبّر عنه مجازاً، بسلطة رابعة أو خامسة، بقصد تبيان دوره الرقابيّ المجتمعيّ، ونشاطه الإستشاريّ، وممارسته في توفير المعلومات الأساس، لمؤسسسات الدولة وسلطاته.

وعليه فالمجتمع المدني، لا يمارس العمل السياسي التقليدي، أسوة بالأحزاب والكيانات السياسية، الذي يبتنى على التنافس الإنتخابيّ، والسعي للفوز في العملية الإنتخابيّة، في ممارسة التداول السلمي للسلطة، فذلك خارج مهامه واختصاصه وأهدافه، فهو يمارس دوراً رقابيًا حصريًا، من خلال مجموعات الضغط، فضلاً عن أدواره الرئيسة في الخدمة المجتمعية.

منظمات مجتمعية

ينعكس مفهوم "المنظمة" في الإدارة، على مجمل مكونات المجتمع المدنيّ، التي يعبر عنها بالمنظمات غير الحكومية، فالمنظمة هي وحدة بناء المجتمع المدني، وعندما يضبط عمل المنظمة، وفق أساسيات الأداء الديمقراطي، ينسحب ذلك على أداء المجتمع المدني.

فالمنظمة هي ترتيب أو كيان اجتماعي، تجري فيه السيطرة على الأداء، وتوجيهه نحو تحقيق أهداف اجتماعية، وهي ليست مجرد كيانات مادية ومعنوية، بل هي قبل ذلك، كيانات حية، تنشأ وتنمو، وتحيا أو تموت، ضمن البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تحيط بها وتتفاعل معها.

عليه فلأجل أن تحيا هذه المنظمات وتنمو وتتطور، لا بد من إيجاد البيئة والوسط الملائمين لذلك، إذ أن هنالك بعدين في العمل، لأية منظمة أو مؤسسة، الأول هو "البعد الفلسفي"، وهو الأساس النظري الذي تقوم عليه فكرة أي عمل أو نشاط ضمن المنظمة، ويتحدد ضمن الاتجاه المادي أو الفكري المثالي. أما البعد الثاني، فهو "بعد الإنجاز"، وهو الأساس والبناء التطبيقي، الذي يعمل على تحويل الأفكار والمبادئ، إلى واقع ملموس.

وهنالك اتجاهان في البعد الإنجازي، الأول يؤكد على الأساس الفردي للعمل والإنجاز (Individualism)، ويضع مصلحة الفرد فوق كل اعتبار، على أساس أن جميع القيم والحقوق والواجبات، تنبثق من الأفراد، وإن الفرد هو وحدة التنظيم الرئيسة، وهذا الإتجاه من المنظمات، منتشر في المجتمع الغربي.

أما الاتجاه الثاني، فهو الذي يؤكد على قيم الجماعة وأهميتها وأسبقيتها، وإن الإنجاز الجماعي هو الأساس، والمصلحة الجماعية تأتي بدرجة سابقة لمصلحة الفرد، عليه فإن الجماعة في هذا الاتجاه من المنظمات، هي وحدة التنظيم الرئيسة، وهذا الأسلوب منتشر في المجتمع الياباني مثلاً.

إن التركيز على وحدة الفرد التنظيمية، يشجع على التفوق والتنافس نحو الأفضل في العطاء والإبداع، في حين أن وحدة الجماعة التنظيمية، ستمنع إشاعة نظرة التفوق والفردية، وحب الذات، وتشيع العمل الجماعي المرتبط بقيم التعاون والتكامل الإبداعي.

وعليه فإن المنظمات التي تنسجم ومتطلبات مجتمعاتنا، لا بد لها من تحقيق الموازنة بين الإتجاهين، الفردي والجماعي، لتكون النموذج الأمثل في العمل والأداء، وصولاً إلى ما يمكن أن يطلق عليه، بالمنظمات المجتمعية المتكاملة.

 

إضاءة

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه)(نهج البلاغة).

 

إضاءة

في ذكرى شهادته

عاش الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في أعتى حقب الدولة العباسية التي تسلطت بالقمع والترهيب، وما الى ذلك من ظلم وقهر وفقر. وقد واجه الإمام (عليه السلام) طغاة بني العباس وفسادهم بشجاعة وكفاءة واقتدار، واضعاً استراتيجية عمل تغيير وإصلاح، في استجابة لمتطلبات تلك الحقبة وحاجاتها، فـ(ليس منا من بات ليلته ولم يهتم بأمور المسلمين).

فنشر (عليه السلام) ثقافة البر والإحسان، والتكامل والتعاون الاجتماعي، ومسؤوليات الوظيفة العامة، كونها تكليف للخدمة ووكالة عن الشعب، وليست نافذة للإثراء غير المشروع، مترجماً المعنى الحقيقي، للإنتماء لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو انتماء لا يتحقق بالتودد العاطفي وإظهار محبتهم، فقط، دون العمل بأوامرهم وإرشاداتهم.

من مواعظه (عليه السلام) لبعض ولده:

(يا بني! اياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها، وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجنّ نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يُعبَد حق عبادته).