كل ما كان لله تعالى ولأهل البيت فهو بالأعلى

 

المرجع الديني، سماحة آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في حديثه لوفد من مدرسة السيدة الزهراء (عليها السلام) من مدينة الشهيد الصدر(قدّه) في العاصمة العراقية بغداد، قال سماحته أن الآية الكريمة: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور: 21، رجاء لبعض، ورعب لبعض، فما كسب الإنسان من خيرٍ فهو رجاء، وما كسبه من شرٍ فهو رعب.

وقال سماحته: المؤمنون الذين عاشوا زمن نبيّ الله نوح، على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، وبحسب ما ذكر التاريخ، أنّه مرّ على زمنهم قرابة سبعة آلاف سنة، ولكن ربما يستفاد من القرآن أنّه أكثر من ذلك، حيث يقول جلّ وعلا: (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا) الفرقان: 38. وعلى كل حال، فإنّ المؤمنين الذين كانوا في زمن نوح النبيّ (عليه السلام)، هم الآن في البرزخ منذ سبعة آلاف سنة أو أكثر، فماذا يفعلون هناك؟ وهل هم مُنعّمون أم لا؟

والجواب هو: أنّهم يعيشون فيما أعدّوا لأنفسهم حينما كانوا في الدنيا، على اختلاف درجاتهم، واختلاف أعمالهم، وسيأتي يوم نكون نحن وأنتم مثلهم، يمضي علينا سبعة آلاف وربما أكثر في البرزخ.

إذن، فمن الآن علينا أن نفكّر ونعدّ العدّة ونتهيّأ، لكي لا نتحسّر هناك كثيراً، فالحسرة ستنتاب الكل، ولابدّ منها، كما في قوله تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) مريم: 39.

وبيّن سماحته: إنّ الدنيا خير مكان لأولياء الله تعالى، وهي لهم متجراً، فعلى الإنسان، وخصوصاً أهل العلم، أن يحلّوا مع أنفسهم كلمة واحدة، ويفتحوها ويسيطروا عليها، بالتأمّل وبالاستعانة بالله (عزّ وجلّ)، وبالتوسّل بأهل البيت (عليهم السلام)، وبالعزم وبالسعي، وبالسيطرة عليها، وهذا ممكن وباستطاعتنا، فإن قمنا بذلك فسنمضي أشواطاً كثيرة. وهذه الكلمة هي: (الأجر على قدر المشقّة)، ولا بقدر الراحة. فلا نبحث عن الراحة، بل نعزم ونصمّم على أنّه ماهي مسؤوليتنا، وما هو واجبنا، بمقدار ما آتانا الله تعالى من فهم، كل بحسبه. فلا تقصّروا مع الله، ولا مع أهل البيت (عليهم السلام)، ولا تقصّروا مع أنفسكم.

وأضاف سماحته: لقد أعطى الله سبحانه كل إنسان، بمقداره، بصيرة، كما ذكر القرآن الكريم، فعليه أن يستفيد من بصيرته، وما يشعر ويقدر عليه، ولو بزحمة، ولو بتعب، ولو بنُصب، وعليه أن يبحث عن الفضيلة والأفضل، ولو بمشقّة، ولو بزحمة.

وذكر سماحته نموذجاً عمّن تحمّل المصاعب والمتاعب في حياته، وقال: الشاعر دعبل الخزاعي(ره)، أحياناً كان ينتقد بني العباس، ونتيجة هذا الانتقاد، كان يقول كلمة نقلتها التواريخ، وهي: (أنا أحمل خشبتي على ظهري منذ أربعين سنة). ومقصوده من خشبتي هي خشبة الإعدام. أي كان يتوقّع في كل لحظة الاعتقال والقتل. وهذه هي المشقّة، وهنيئاً لدعبل(ره). وهذا يعني أنّ كل ما كان لله تعالى ولأهل البيت (عليهم السلام) فهو الفوق والفوق وبالأعلى.

وتطرّق (دام ظله) إلى الأوضاع بالعراق اليوم، وقال: العراق اليوم هو ليس عراقي أنا، وليس عراقكم أنتم فقط، بل هو عراق أمير المؤمنين، وعراق الإمام الحسين، وعراق الإمامين الكاظم والجواد، وعراق الإمامين الهادي والعسكري صلوات الله عليهم أجمعين، وعراق مولانا بقيّة الله الأعظم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وعراق أبي الفضل العباس، وعراق مسلم بن عقيل، وعراق سبع الدجيل (عليهم السلام)، وعراق الفقهاء، عراق الشيخ المفيد، وعراق الشيخ الطوسي، وعراق المقدّس الأردبيلي. وشباب العراق اليوم هم بناة المستقبل للعراق، وعلماء المستقبل، وتجّار المستقبل، فمن لهؤلاء؟

وقال سماحته: إنّ الراحة في الدنيا كالسراب، والله تبارك وتعالى قال في الحديث القدسي: (إنّي جعلت الراحة في الجنّة، والناس يطلبونها في الدنيا، فلا يجدونها).

إذن، على الإنسان أن يعزم ويصمّم، كما يقول القرآن الكريم: (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان: 17، وذلك لانتشال الشباب في العراق كلّه، بالأخصّ شباب العاصمة بغداد، التي لها تواريخ رفيعة وجيّدة، ولها تواريخ بالعكس أيضاً.

وأكّد سماحته، بقوله، مخاطباً الضيوف الكرام: فاهتمّوا، كل واحد منكم، بعقله وبتعبه وبالمشقّة. واعلموا بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد لقوا ما لقوا من المشقّة، وكلّهم قد قتلوا، وذلك لأنّهم لم يعمدوا إلى الراحة.

ومن البديهي أنّ الذي يجلس في بيته لا يتعرّض للأذى ولا للمشقّة. فأهل البيت قد أسّسوا أساساً للتشيّع مثل الكونكريت المسلّح، تأتيه الأهواء والعواصف والمشكلات ويتعرّض لها، ولكن (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) الأعراف: 128.

وختم سماحته بقوله: إنّني أشكركم فرداً فرداً، وأدعو لكم كواجب ومسؤولية عليَّ، ولكن أقول اهتمّوا أكثر، وخصوصاً بالشباب، كلّهم، بنين وبنات، وفي كل مكان وفي كل مجال، في العراق. واعملوا على تربيتهم وفق تربية أهل البيت (عليهم السلام)، وأهمّها هي أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وعقائد أهل البيت(عليهم السلام).