نبيّ الإسلام جاء بخير الدنيا والآخرة

 

تحدث سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) إلى جمع من العلماء والفضلاء والمؤمنين، حول الخير الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال في جانب من حديثه:

تحدث سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) إلى جمع من العلماء والفضلاء والمؤمنين، حول الخير الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال في جانب من حديثه:

في بداية الإسلام خاطب الله تعالى نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله) بالآية الكريمة التالية: (وأنذر عشيرتك الأقربين)(الشعراء/214). فهيّأ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وليمة، ودعا إليها أقاربه، وكان أكثرهم على ظاهر الشرك، وقال لهم جملة تكوّنت من أربع كلمات، ونقلها المفسّرون والمؤرّخون وأهل السير والحديث، متواتراً،: (جئتكم بخير الدنيا والآخرة). فأما خير الآخرة، فهي الراحة في البرزخ والابتعاد عن أهوال يوم القيامة، والأمن والأمان منها، ودخول الجنة في ظلّ محمد وآل محمد (عليهم السلام). وأما خير الدنيا، فهو لا جوع ولا خوف، والحصول على كل ما يحتاجه الإنسان، وزوال الموانع والعوائق، والخير في الاقتصاد، والسياسة، وفي النواحي والمجالات الأخرى، بل وكل شيء سيكون فيه الخير. وهذا الأمر بالفعل قد حصل في زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله)، أي في المدينة المنوّرة، لأنه في مكّة لم يكن (صلى الله عليه وآله) مبسوط اليدين، بل كان تحت ضغوط المشركين، ولم يعمل (صلى الله عليه وآله) بالإعجاز، لأن الإعجاز كان لأجل إتمام الحجّة فقط، ولأن الدنيا هي دار بلاء وامتحان واختبار، فكل شخص لابد أن يُمتحن، ولكن لما هاجر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة المنوّرة كان مبسوط اليدين، وكان رئيس الحكومة.

أوصي الجميع بأن يطالعوا تاريخ النبي (صلى الله عليه وآله)، سواء المنقول عن أهل البيت (عليهم السلام) وفي كتب التاريخ الشيعية كـ(بحار الأنوار وغيره)، أو من كتب التاريخ والسير للبعيدين والمنحرفين عن أهل البيت (عليهم السلام)، ومن غير المسلمين أيضاً، حتى يعرفوا سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الحكومة، ويعرفوا أوضاع وأحوال الناس في زمن تلك الحكومة، أكثر وأكثر.

وقال (دام ظله): لابدّ من القول، بكل جدّ وقوّة واطمئنان، بالنسبة لقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): (جئتكم بخير الدنيا والآخرة)، هو أن خير الدنيا في حكومته، قد رآه الناس بشكل واضح، ولم يكن له نظير في كل التاريخ، حتى اليوم. فاليوم لا توجد دولة إسلامية أو غير إسلامية، على وجه الكرة الأرضية، يمكن أن نقيسها مع حكومة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). فالناس الذين كانوا في حكومته ص، من المسلمين وغيرهم، والمنافقين، بل حتى الكفّار، كانوا منعّمين بالخير في حكومته (صلى الله عليه وآله). وهذا هو معنى (جئتكم بخير الدنيا والآخرة). فأقرأوا التاريخ، وانظروا هل يوجد لحكومة نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله) مثيلاً؟

نعم يوجد لها نظير واحد فقط، وهي حكومة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي قال عنه القرآن الكريم: (وأنفسنا وأنفسكم)(آل عمران/ 61). علماً بأن النبي (صلى الله عليه وآله) هو مولى الإمام عليّ (ع)، وقد قال الإمام (عليه السلام): (أنا عبد من عبيد محمد). لكن من حيث طريقة الحكومة، هو عين النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الحكم، أو كما عبّر عنه القرآن الكريم بـ(نفس النبي).

من باب الواجب الكفائي، على كل شخص وبمقدار فهمه، أن يراجع ويقرأ الكتب التاريخية، ليعلم ويعرف ماهو خير الدنيا والآخرة، الذي بيّنه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، في أول دعوته، وما هي مصاديقه، وكيف كانت، وكيف علينا أن نفهمها، وكيف على الحكّام في البلاد الإسلامية وغيرها أن يفهموها ويطبّقوها، وكيفية العمل بها اقتصادياً، واجتماعياً وسياسياً وفي المسائل الخلافية، أيضاً.

وقال سماحته: لم يذكر التاريخ في زمن حكومة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، موت حتى شخص واحد بسبب الجوع. ومن لا يقبل بهذا الكلام فعليه إثباته، فيا ترى ما حلّ باقتصاد الدنيا اليوم لكي يموت أفواج من الناس بسبب الجوع؟ وهل هذا هو خير الدنيا والآخرة؟

وهكذا كانت حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أي لم تجد فيها فقيراً واحداً بقي محتاجاً إلى آخر عمره، أو كان عزباً ولم يتزوّج، أو كان محتاجاً إلى سكن لآخر عمره، أو كان عاطلاً عن العمل وإلى آخر عمره.

علماً بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان في زمانه مبتلياً بمشاكل داخلية، وحروب وغزوات، وبالمنافقين، ولأكثر من مرة، أرادوا قتله واغتياله، وهو على علم بذلك، وكان يعرف المتآمرين. وقد قتلوه (صلى الله عليه وآله) فيما بعد، وهذا ما اتّفقت عليه الكلمة، والتواريخ، وهو بأنهم قد قتلوا النبي (صلى الله عليه وآله)، بالسُم، وكانوا قد سمّوه من قبل أكثر من مرّة. وهذا الأمر واضح لمن راجع ويراجع كتب التاريخ والسير، والقرآن الكريم يقول: (أفإن مات أو قتل)(آل عمران/144). بمعنى (بل قتل). وكذلك مع المشكلات التي كانت في زمانه (صلى الله عليه وآله)، ولكن لم يبقى أي أحد من الناس على فقر، أو بقى أعزباً.

بلى، كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، ناس فقراء، ولكن كان يرتفع فقرهم بعد مدّة. فقد كتبوا أن فقراء المدينة كانوا قرابة أربعمائة شخص وكانوا من غير أهل المدينة، بل من مكّة، وطردهم أهلها لأنهم أسلموا، فجاؤوا إلى المدينة، فجعل لهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) صُفة يبيتون عليها، ولم يبقى منهم أحد على فقره، بل آلت أمورهم إلى أحسن حال، فلم يوجد في تاريخ النبي العظيم (صلى الله عليه وآله) أن أحد من الناس قد بقي على فقره. وهذا من معاني (خير الدنيا والآخرة).