رؤية إسلامية

 

المجتمع المدني .. تعريف وأدوار (2)

 

في الرؤى الفكريّة الغربيّة والإسلاميّة، يعتمد البحث المقارن لمدركات المجتمع المدنيّ على المقاربة من المدارس المجتمعيّة وعنوان "المجتمع المدني" أو تسمياته المفترضة والمثلى، كالمجتمع الإيمانيّ أو الإسلاميّ، وفق الجوانب الكميّة والكيفيّة والاتجاهيّة فيه، لبيان المسؤوليات الاتجاهيّة المجتمعيّة، لكل من الفرد والدولة والجماعة، تجاه بعضها في منظومة الفكر الإسلاميّ.

وينصرف الفكر المجتمعيّ الإسلاميّ الى تبيان مسؤوليات الجماعة تجاه الجماعات الأخرى في المجالين المجتمعيّ والاقتصاديّ أو القطاع الخاص، باعتبارها تعبر عن ماهية المجتمع المدنيّ، وبصفتها تمثل الوحدة البنائية لمؤسسات المجتمع المدنيّ، ومسؤوليات مؤسسات المجتمع المدنيّ تجاه الدولة.

ويشمل ذلك مسؤوليات المرأة والطفل المميّز، والولاية المجتمعية لهما في الرؤية الإسلاميّة، ثم مهمة المجتمع المدني في درء التداعيات الداخلية والخارجية، فضلاً عن تبيان حكم العمل والعامل في الإسلام، وبيان العلاقات البينية لمؤسسات المجتمع المدني وضوابطها، وسبل معالجة المؤسسات الهدامة للمجتمع المدني.

وتنصرف مسؤوليات المجتمع المدني الى مستقبل الأمة ومقدمات رؤاها تجاه الجميع أو اتجاه مجموع الأمة والروح العامة لها، وفي تبيان مسؤولية الجماعة تجاه الأفراد، والتي تشكل وحدة مؤسسة المجتمع المدني، وفي اعتبار الأصالة بين الفرد والمجتمع في التشريع الإسلاميّ. في الوقت أن الفكر المجتمعي الإسلامي يعتمد التوكيل والتفويض في الولاية، حيث مسؤولية المجموعات المجتمعية اتجاه المجموع، أو مسؤولية بعض اتجاه بعض، وهو تعبير عن المخرجات الوظائفية ودالاتها في المجتمع المدني، وفق رؤى الفكر المجتمعي الإسلامي، والذي تضطلع فيه المرجعيات الدينية بمسؤوليات مجتمعية كبرى، في النهوض بأدوار المجتمع المدني ومهامه، باتجاه تحقيق الغايات والأهداف.

في سياق آخر، فإن الديمقراطية كنهج للحياة في الدولة والمجتمع، لا تعتبر نظامًا سياسيًا فقط، فهي تحيط بالحياة العامة في مجالاتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، فتتشكل بها المسارات الرئيسة للبناء الديمقراطي السليم للدولة.

إن الديمقراطية السياسية لا تكون ذات أثر عملي دون أن تكملها الملاحق المتممة لها، ضمن المسارات الديمقراطية الأخرى، سواء في الاقتصاد أو المجتمع، أو مناحي الثقافة والإبداع والحريات العامة، في الفكر والرأي.

ويعبّر عن هذه المنظومة المتكاملة، في الأدوار والمهام والواجبات، بدولة المؤسسات وهي شكل التنظيم السياسي للدولة الذي تتجلّى به المأسسة والمنهجية، في الإدارة وآليات صنع واتخاذ القرار، والدور المجتمعي والثقافي، الذي يعتمد الديمقراطية كنهج للدولة، والتخطيط الحكومي المنهجي، في بناء مؤسساتها، وتفعيل أدوارها ومهامها.

فالديمقراطية السياسية تتحقق من خلال أنشطة وفعاليات المؤسسة السياسية، التي تتشكل من الحركات والتنظيمات والأحزاب السياسية التي تنعكس في سلوكيات الدولة وسياساتها، فيما تتشارك مؤسسات الدولة في المجالات الأخرى التي يضطلع فيها النشاط الخاص بدور أساسي، فيما المسارات الديمقراطية الأخرى تنهض فيها مكونات المجتمع المدني، الذي هو مجتمع تعاقدي منظّم وفق القانون، مقابل المجتمع الطبيعي القائم على المصالح والمنافع الفئوية.

بالتالي، فإن مفاهيم المجتمع المدني، وأغراضه وأهدافه، وأدواره التي يضطلع بها في دولة المؤسسات، والإتجاهات المستقبلية المخطط لها، في تنشيطها وتفعيلها، تضمن استقامة النظام الديمقراطي، وثوابته وآلياته، وبالتالي نشر ثقافته، وتعميم الوعي المجتمعي في تبيان حقوق الفرد وواجباته، من خلال مهام المجتمع المدني، بصفتها الضمانة الأساس، في العملية الديمقراطية.

إن مسارات العملية السياسية والسجال المحتد بين الفاعلين فيها، واحتمالات انعكاسات تداعياته المجتمعية، في مستقبل بناء الدولة، واستقرار أمنها الوطني، وضمان السلم المجتمعي فيها، تستدعي الحاجة والضرورة لاستقراء وتعميم ونشر ثقافة الديمقراطية ومتبنياتها والذي يشكل الحجم الرئيس فيها بنية المجتمع المدني وتنظيماته.

وتوفر الديمقراطية بوصفها أسلوب ومنهج في الحياة، فرصة لذوي الكفاءات وأنشطة الخدمة المجتمعية من ذوي المعارف والمهارات المنتجة والخلاقة، للعمل والإبداع للصالح العام، بما يضمن تقدمهم للمجتمع، وتيسير مخرجات إمكاناتهم فيه، فتتشكل بهم الجمعيات والفعاليات المجتمعية التي يعبّر عنها في أدبيات المجتمع المدني بالمنظمات غير الحكومية NGOs  Nongovernment Organizations/، وفق دستور الدولة الديمقراطية، الذي يمنحهم امكانية المشاركة، في مجمل أنشطة العمل العام.

وعليه فإن المجتمع المُنظّم هو الذي تكون هيئاته وتنظيماته هادفة إلى منح جميع أفراده الفرص الكافية المتكافئة والمتعادلة، لإشباع حاجاتهم في الحرية والحياة الكريمة، ولكي يتمكن المجتمع من الارتقاء لهذا المعنى، لا بد لطليعة أفراده أن يؤدوا الخدمة للصالح العام بحيث يشعر هذا الفرد، إنه يؤدي دوره في الحياة فيما إذا عمل من أجل المجتمع.

ومن خصائص الديمقراطية، أنها تدفع أصحاب الموهبة والكفاءة للبروز، وتوفر لهم أسباب العمل والنجاح، والبيئة التي تساعد على إشغالهم المواقع التي يستحقونها، فتفتح أمامهم الطريق واسعا، ليظهروا إمكاناتهم في ميدان العمل العام.

وإن هذا الكسب الذي يبدو في النظرة الضيّقة إنه مكسب فردي غير أنه في الواقع العملي والمحصلة النهائية، إنما هو مكسب للمجتمع، ليتقدمه ويقوم بخدمته، من هو الأكفأ والأجدر على ذلك.

ولذلك لابد للنظام الديمقراطي من أن يجري نفس آلية التنافس الحر في اختيار القادة للنظام السياسي، ومثلها في اختيار المؤهلين للخدمة الاجتماعية العامة، عملاً بالمثل القديم "الوظيفة هي التي تظهر قدرات الإنسان" .

فمن أجل إعداد القادة المؤهلين للخدمة الاجتماعية، يوفر المجتمع الديمقراطي فرصة للنخب المؤهلة وذات الكفاءات النوعية للانضمام إلى مجموعة كبيرة من المنظمات والجمعيات والهيئات والمؤسسات التطوعية، غير الحكومية، NGOs، فيما يطلق عليها اصطلاحًا، بالمجتمع المدني (/ Society  Civil C.S).

وبرغم أن مفهوم المجتمع المدني أكثر إتساعًا من ذلك، لأنه يشمل أنشطة وفعاليات أخرى فاعلة في المجتمع، وإنْ تكن غير منخرطة بتنظيم أو منظمة، ومنها دور الفرد والأسرة، وحتى العشيرة في المجتمع ذات الطبيعة القبلية، وكذلك دور الرأي العام، والنشاط الجماهيري العفوي، وحركة الشارع ونبضه ومزاجه، ورؤيته للحكم والدولة، وتطلعاته ورغباته وحاجاته، فضلاً عن فعالياته المختلفة، المنظمة منها وغير المنظمة، غير أن هذه المنظمات، لجهة كونها الحجم الرئيس في الفعاليات المجتمعية، أصبح عنوانها متماه ومعبر عن المجتمع المدني.

إن هذه المنظمات غير الحكومية، التي يتشكل منها الحجم الأكبر من المجتمع المدني، لا تخضع لسيطرة الحكومة، ولا تُمولّ من قبلها، وإن من حق الأفراد في المجتمع الديمقراطي، الانضمام بحرية اليها بشكل واسع.

وهذا أمر جوهري وأساس، بالنسبة للنظام الديمقراطي وآلياته، فعندما تتّحد وتشترك مجموعة من الأفراد، أو جزء من المجتمع، تربطهم مصلحة مشتركة، أو اهتمام مشترك، فذلك يمنحهم قدرة أكبر، لإسماع أصواتهم، وإمكانية تأثيرهم، في مجمل المسائل العامة في الدولة والمجتمع، مما يؤهلهم لأن يكون لهم صوت مسموع في قضايا الساعة العامة، ورأي في القرارات والإجراءات التي تتخذ في هذا الشأن، بما يعبر عنه بمجموعات الضغط.

وبالتالي سيكون لهم حضور في مراكز صنع القرار ومتابعة تنفيذه، وهي المجلس أو الجمعية أو الهيئات المنتخبة، ذات الوظيفة التشريعية أو الرقابية أو الاستشارية في الدولة، إذ أن تمتع مكونات المجتمع المدني، بدرجة من الاستقلالية، يحفظ لها مكانًا وسطًا بين الدولة وعموم المجتمع، بما يضمن للحكومة المنتخبة، ويفرض عليها اضطلاعها بالدور المتوازن، في التعبير عن إرادة القاعدة الشعبية، وثوابت الأداء الديمقراطي.

يتبع...

-----------------------------

إضاءة

من خلال مؤسسته الاجتماعية، عُرِف الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بقضاء حاجات الناس، وإشاعته ثقافة التكامل الاجتماعي، وكان مما يوصي به أتباعه: (إن لله تعالى تحت عرشه ظلّا، لا يسكنه إلّا من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفّس عن كربته، أو أدخل على قلبه سروراً)(بحار الأنوار/ج71/ص313).

 

إضاءة

من الممكن للإنسان أن يصمم على بلوغ الموفقية، فيقرر أن يكون طيّب الأخلاق، ونبيل الطباع، وحَسَن التعامل مع الآخرين، وقد ضرب الله (عز وجل) في القرآن الكريم مثلاً على إمكان بلوغ المرأة المرتبة الرفيعة، برغم وجودها في المكان السيء، بامرأة فرعون التي كانت تعيش في قصر الطاغوت، كما ضرب مثلاً معاكساً لذلك بامرأة هود، كيف هوت إلى الحضيض رغم وجودها في المكان الجيد، وهي زوجة النبي نوح (عليه السلام) التي عاشت في بيته الطاهر، وذلك كله مصداق الحكمة القائلة بأن "الإنسان حيث وضَع نفسه".