العارف بزمانه


س: ما تفسير ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (يا عبد الأعلى.. فاقرأهم السلام ورحمة الله - يعني الشيعة - وقل: قال لكم: رحم الله عبداً استجر مودة الناس إلى نفسه وإلينا، بأن يظهر لهم ما يعرفون ويكف عنهم ما ينكرون)... وقال: (عليكم بمجاملة أهل الباطل، تحمّلوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام)؟
ج: هذا الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) والكلام المذكور في خطابه لعبد الأعلى، هو: إشارة إلى الحديث الشريف القائل: «العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»، يعني: أن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي هو القمة في المعرفة بزمانه وبما يقتضيه الزمان من الوظائف الشرعية والعقلائية، ينبّه عبد الأعلى ليوصل ذلك إلى جميع محبّي الإمام وشيعته حتى يكونوا عارفين بزمانهم وعارفين بما يقتضيه زمانهم من وظائف شرعية وإنسانية، فيسلم بذلك دينهم ودنياهم. نعم، إن التاريخ قد سَجّل صفحاتٍ سوداء وقاسية بالنسبة إلى العصر الذي كان فيه الإمام الصادق (عليه السلام) وكان فيه محبّوه وشيعته، وخاصة عصر خلافة المنصور العباسي الذي كان قد أمر بإلقاء القبض على كل من يسلّم على الإمام الصادق (عليه السلام) أو يتحدث معه، أو يلتقي به، والناس عادة يكونون على دين ملوكهم، فكانوا يتعاونون معه في الظلم والجور، والشدة والقسوة على الإمام الصادق (عليه السلام) وعلى شيعته ومحبّيه، ويكتبون التقريرات الباطلة ضدهم، ويشتركون في مطاردتهم ومؤاخذتهم، ويتآزرون على تعذيبهم وقتلهم، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم. لذلك جاءت التعاليم الحكيمة للمحبّين والشيعة: باجترار مودة الناس، وبأن يتظاهروا للناس بأنهم مثلهم، بل أنهم منهم، يعني: بإظهار ذلك في القول والعمل، وفي السيرة والسلوك، وبأن يجاملوا أهل الباطل، ولا يجادلوهم ويتحمّلوا أذاهم ويصبروا على ما يرون منهم من جفاء وقسوة إذا كان لابد لهم من مخالطتهم ومجالستهم، ولولا هذه التعاليم الحكيمة، والوصايا الرفيعة لم يسلم أحد من الشيعة ولا المحبّين ولا حتى الإمام الصادق (عليه السلام) من البطش والتنكيل. والخلاصة: أنها تعاليم حكيمة خاصة بذلك الزمن العصيب، وأما اليوم، حيث عصر الارتباطات، فيجب على المسلمين نشر حضارة الإسلام وثقافة القرآن الحكيم السماوية التي يجسّدها الرسول الكريم وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.