السلام المفقود .. بين جوهر الشريعة والواقع المأزوم




 

 

موقع الإمام الشيرازي

16/ ربيع الآخِر/ 1448

 

 

كتاب "فقه السلم والسلام" للمرجع الديني المجدد الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928-2001) يتناول قضية السلام واللاعنف من منظور فقهي إسلامي شامل. ويمثل دراسة موسوعية تهدف إلى استنباط الأحكام الشرعية المتعلقة بالسلم والسلام، مع تقديم رؤية متكاملة تستند إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام). وفي هذا السياق، يبرز كتاب "فقه السلم والسلام"؛ عبر 816 صفحة، كفرع من الفقه الإسلامي يركز على تعزيز ثقافة السلام ونبذ العنف في مختلف مناحي الحياة. يقول الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته): "السلم والسلام بمعناهما الأعم والشمولي يقتضيان الأمن والعافية، والاستقرار والازدهار، وكل ما يوجب تقدم الحياة وتطورها، ووضعها في أبعادها الصحيحة، صحية واجتماعية، واقتصادية وسياسية، وعسكرية وإعلامية، وغيرها" (السلم والسلام: ص19).

فقه السلم والسلام، كما يُعرِّفْه الإمام الشيرازي الراحل، هو الفقه الذي يتناول الأحكام الشرعية المتعلقة بإقامة السلام ونبذ العنف بين الأفراد والجماعات والدول. ينطلق هذا الفرع من الفقه من مبدأ أساسي هو أن الإسلام دين سلام في جوهره، مستنداً إلى اسم "السلام" كأحد أسماء الله الحسنى، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)(البقرة: 208). يرى (أعلى الله درجاته) أن السلم ليس مجرد حالة سلبية (غياب الحرب)، بل هو حالة إيجابية تتطلب بناء علاقات قائمة على العدالة، التسامح، والتعاون.

في الكتاب، الإمام الشيرازي الراحل يصنف السلم والسلام إلى مستويات متعددة:

* السلم مع النفس؛ وهو السلام الداخلي الذي يتحقق بالابتعاد عن العنف النفسي كالغضب والكراهية والحقد والبهتان والغيبة والنميمة.

* السلم مع الآخرين؛ ويشمل العلاقات الأسرية والاجتماعية، حيث يحرم الاعتداء على حقوق الآخر، في كل المجالات؛ الأسرة، والجيران، والأقرباء، والأصدقاء، والمجتمع.

* السلم مع المجتمع؛ ويتمثل في نبذ الفتن، والصراعات الداخلية، والتوجهات والأفعال العبثية، والتصرفات الاستفزازية، والسلوكيات المثيرة للكراهية والبغضاء،

* السلم مع الدول والأمم؛ وهو السعي لتجنب الحروب والصراعات الدولية إلا في حالات الدفاع المشروع. يقول (قدس سره): "الجانحون إلى السلام بقوا أعلاماً خالدة في وطنهم وخارجه، بينما طوى النسيانُ أهلَ الحرب والعنف والغلظة، فما تركوا وراءهم سوى سيرة النفور والامتعاض" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص159).

ويستند الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله مقامه) في صياغته لفقه السلم والسلام إلى مجموعة من الأدلة الشرعية، ومن أبرزها:

قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)(الأنفال: 61)، وهي آية تؤكد وجوب قبول السلام إذا بادر به الطرف الآخر.

وقوله تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)(النساء: 128)، مشيراً إلى تفضيل الصلح على النزاع.

وقوله تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)(الحجر: 85)، داعياً إلى التسامح والعفو.

وعلى هذا النحو، يستحضر (أعلى الله درجاته) مواقف النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) في صلح الحديبية، حيث اختار السلام مع قريش رغم قدرته على القتال، مما أثمر عن فتح مكة لاحقاً دون قتال كبير، حيث جاء في الحديث الشريف "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وإنما المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (الكافي: ج2 -ص99)، وهو دليل على أن السلام مع الآخرين جوهر الإسلام؛ يقول (قدس سره): "لم يقف الإسلام عند حدّ رعاية الكفار فيما لهم من الحقوق، بل كان يرعاهم حتى لو أساءوا أو لم يكن لهم من الحقوق شيء" (السلم والسلام: ص70).

أيضاً؛ في سياق صياغته لفقه السلم والسلام استناداً إلى الأدلة الشرعية، يذكر (أعلى الله درجاته) موقف الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تحمله الظلم الشخصي من أجل وحدة الأمة، وموقف الإمام الحسن (عليه السلام) في صلحه مع معاوية، حيث اختار السلام للحفاظ على دماء المسلمين.

في كتابه، يقسم الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته) الأحكام المتعلقة بالسلم والسلام إلى فروع عملية، منها:

* حرمة العنف غير المشروع؛ حيث تحريم أي شكل من أشكال العنف لا يستند إلى دفاع شرعي، سواء كان اعتداءً على الأفراد (كالقتل والضرب) أو على المجتمع (كإثارة الفتن). ويرى أن العنف السياسي، كالانقلابات أو التمرد المسلح بدون مبرر شرعي، محرم لأنه يؤدي إلى الدمار.

* وجوب قبول السلام؛ فإذا عرض الطرف الآخر السلام أو الصلح، يجب على المسلم قبوله طالما لا يتعارض مع العدالة أو الحقوق الأساسية. وهنا، يستثني (أعلى الله درجاته) حالات الدفاع عن النفس أو رد الاعتداء، لكن بشرط أن يكون الرد متناسباً ومحدوداً.

* التسامح والعفو؛ حيث العفو عن المسيئين إذا أمكن ذلك، مستنداً إلى قوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)(النور: 22). ويرى أن التسامح يقطع دائرة العنف ويفتح باب التعايش.

* الحوار كبديل للصراع؛ فإن أهمية الحوار تكمن في أنه أجدى وسيلة لحل الخلافات، سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الدول، ويعتبره جزءاً من فقه السلم.

بالإضافة الى ذلك، في كتا "فقه السلم والسلام"، الإمام الشيرازي الراحل يصنف العنف إلى أنواع، ويبين كيفية مواجهته سلمياً:

* العنف النفسي؛ كالغضب والكراهية، ويوصي بمعالجته بالصبر والتأمل.

* العنف الجسدي؛ كالقتل والضرب، ويحرمه إلا في حالات الدفاع المشروع.

* العنف السياسي؛ كاستخدام القوة للسيطرة، ويدعو إلى استبداله بالانتخابات والحوار.

* العنف الاقتصادي؛ كالاحتكار والاستغلال، ويحث على العدالة الاقتصادية كحل.

وفي نفس الإطار، الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته) يشدد على أن فقه السلم والسلام ليس نظرياً فقط، بل له تطبيقات عملية:

* في الأسرة؛ نبذ العنف المنزلي وتعزيز التفاهم بين الزوجين والأبناء.

* في المجتمع؛ حل النزاعات عبر التحكيم والمصالحة بدلاً من الخصومة.

* في الحكم؛ اعتماد اللاعنف كمنهج للتغيير، كما في الاحتجاجات السلمية والمفاوضات.

بالتالي، فإن نشر ثقافة فقه السلم والسلام وتطبيق مبادئها وتجسيد قيمها ضرورة ملحة في العصر الحديث، حيث تتصاعد الحروب والصراعات الدامية الطويلة والفتن الطائفية، في وقت تتزايد أعداد الأحزاب والجماعات والمليشيات المسلحة. وفي هذا الصدد، يحث الإمام الشيرازي (أعلى الله درجاته) على:

* إنشاء مؤسسات لنشر ثقافة السلام عبر التعليم والإعلام.

* تعزيز دور العلماء في الدعوة إلى اللاعنف وحل النزاعات.

* تشجيع الحكومات على اعتماد سياسات تقوم على الحوار بدلاً من القمع.

يُعَدّ العيش في أمان وحرية هاجساً ملازماً للإنسان وعائلته منذ بدء الخليقة. من جهتها، تؤكد مبادئ الإسلام الواجبة التطبيق على حق الفرد في التمتع بالسلم والأمن والحرية. فإن الأساليب العنيفة تقود إلى الفوضى وتزعزع الاستقرار، كما أن السياسات المبنية على الحروب والقمع تخلف الخراب والخيبة. بالمقابل، يحقق السلام بمفهومه الشامل أمن المجتمعات وازدهارها، مما يضمن للشعوب حياة مستقرة وكريمة.

وهكذا؛ فإن كتاب "فقه السلم والسلام"، كما قدمه المرجع الديني المجدد الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته)، هو مشروع فكري وديني وأخلاقي وإنساني، وأيضاً هو مشروع سياسي عملي يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات الدولية والإنسانية على أساس السلام واللاعنف والتسامح والرفق والرأفة والرحمة والمحبة. من خلال استناده إلى الأدلة الشرعية وتطبيقاتها العملية، وبهذا الكتاب يقدم (رحمه الله تعالى) هذا الفقه نموذجاً متكاملاً يمكن أن يكون حلاً للخروج من دوامة العنف والفوضى والتخلف والانقسام التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية اليوم. في الوقت، إن الكتاب دعوة للعودة إلى جوهر الإسلام كدين سلام، يحث على بناء عالم يسوده العدل والاستقرار والتحاور والتفاهم والتعايش والتعاون، بعيداً عن لغة السلاح والدمار والعدوان والبغضاء والفتن والضغينة والكراهية. يقول (أعلى الله درجاته): "حث الإسلام المسلمين وحفزهم في الغدو والرواح على حب الخير لجميع االناس والإحسان للبشرية بما هي عليه، وبما فيها من الكفار" (السلم والسلام: ص63).