وثيقة الحقوق الثلاثة | مأسسة الإمام أمير المؤمنين لحق التظاهر والمعارضة




 

 

موقع الإمام الشيرازي

12/ ربيع الآخِر/ 1448

 

 

تشهد السيرة السياسية للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بتقديم نموذج فريد في إدارة الحكم والدولة، حيث لم يقتصر على تحقيق العدالة الاجتماعية فحسب، بل تعداه إلى ترسيخ دعائم "الدولة المدنية" القائمة على كفالة حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية. وفي وقت كانت تعيش فيه دول العالم آنذاك تحت وطأة الاستبداد والطغيان ونظرية "الحق الإلهي للملوك"، أرسى الإمام أمير المؤمنين منظومة حقوقية متكاملة سبقت الدساتير الوضعية الحديثة بقرون عديدة، متخذة من مدينة الكوفة ميداناً لتطبيقاتها الواقعية.

يذكر المؤرخون أن الكوفة شهدت في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حراكاً شعبياً تمثل في إضراب مضاد تارة، وتظاهرة معارضة تارة أخرى. وإزاء هذا الحراك، لم تلجأ السلطة إلى أدوات القمع والترهيب، بل أرسل الإمام ابنه الحسن المجتبى (عليه السلام) ليعظ المحتجين ويرشدهم إلى جادة الصواب؛ كونهم جاهروا بمواقف تفتقر إلى الأحقية الفكرية والسياسية.

فلما أبوا واستكبروا عن التراجع، تلا الإمام أمير المؤمنين قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيراً)(النساء: 115). واكتفى بهذا التذكير الرباني وبيان عاقبة مآلهم الأخروي، دون اتخاذ أي إجراء عقابي أو تعسفي ضدهم في الدنيا، صوناً لحريتهم الشخصية، وطبقاً لمنهجه الصارم في عدم إكراه الناس على مواقفه أو آرائه.

ومع وضوح بطلان موقف المعارضين في تلك الحادثة وأحقية جبهة الإمام ــ وهو الذي قال فيه نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله): »علي مع الحق والحق مع علي« (بحار الأنوار: ج30 - ص332)، و»علي مع القرآن والقرآن مع علي« (بحار الأنوار: ج104 - ص256) ــ إلا أن الإمام أمير المؤمنين لم يمسّهم بسوء، ضارباً أروع الأمثلة في الفصل بين الخلاف العقدي والسياسي وبين الحقوق المدنية للمواطنين.

ولم يكن هذا الموقف استثناءً عابراً في سيرته، بل شكّل فلسفة حكم ثابتة، تجلت بوضوح في ميثاقه المدني الشهير الذي أعلنه لخصومه السياسيين (الخوارج) حين جاهروا بالاعتراض عليه، فوضع ضوابط قانونية تحمي المعارض وتكفل حقوقه ما دام متمسكاً بالسلمية، قائلاً لهم:

»لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤُكم بقتال ما لم تحدثوا فساداً«(معرفة السنن والآثار للبيهقي: ج12 – ص222).

هذه الثلاثية تمثل ميثاقاً حقوقياً متكاملاً يتضمن:

(1) حرية العبادة والتعبير الفكري؛ »ألا نمنعكم مساجد الله«.

(2) الحصانة الاقتصادية والاجتماعية؛ عدم قطع الرواتب والمستحقات المالية بسبب الانتماء السياسي: »ولا نمنعكم الفيء«.

(3) تجريم الاعتقال التحسبي والضربات الاستباقية؛ حظر استخدام القوة العسكرية والأمنية ضد المعارضة ما لم تتورط في سفك الدماء أو ترويع الآمنين: »ولا نبدأكم بقتال«.

لقد أوضح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أن حرية المحكوم هي أساس شرعية الحاكم، ولذلك رفض إكراه الرافضين لبيعته في مستهل خلافته (مثل عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص) مؤكداً: »ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون«(*). بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين سعى إلى كسر حاجز الخوف بين الرعية والسلطة، فخاطب الأمة داعياً إياها إلى النقد العلني والمراقبة المستمرة لقراراته قريباً كان أم بعيداً، قائلاً: »فلا تكفّوا عن مقالةٍ بحق، أو مشورةٍ بعدل، فإني لستُ في نفسي بفوقِ أن أُخطئ« (نهج البلاغة)، مسقطاً بذلك هالة القداسة السياسية ومشرعاً باب المساءلة والمحاسبة.

وعند وضع المنهج الحقوقي العَلَويّ في ميزان المقارنة مع الدساتير والمواثيق الدولية المعاصرة ــ مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ــ تتضح نقاط التقاء جوهرية وثنائيات متطابقة تكشف عبقرية هذا الإرث الفقهي والسياسي العَلَويّ ؛ فالحق في التعبير وحرية التجمع السلمي التي تكفلها المادتان (19 و20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تجد جذرها العملي والتطبيقي في كفالة الإمام أمير المؤمنين للمظاهرات السلمية في الكوفة، وحثه الرعية علناً على إبداء الرأي والجهر بالحق ومحاسبة السلطة دون خوف.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الدساتير الحديثة التي تُجرّم مصادرة الحقوق والرواتب أو فصل الموظفين بناءً على انتماءاتهم السياسية ومواقفهم المعارضة، تلتقي مباشرة مع المبدأ الدستوري الثابت الذي شرّعه الإمام أمير المؤمنين حين جعل مستحقات المعارضين المالية في "بيت المال" خطاً أحمر لا يُمَسّ، مكرساً القاعدة الذهبية: «ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا« (نهج البلاغة).

وفيما يتعلق بالجانب الأمني وصيانة دماء المواطنين، تضع القوانين الوضعية المعاصرة حدوداً صارمة تمنع أجهزة الدولة من استخدام العنف ضد المحتجين وتُجَرِّم فقط الخروج المسلح ضد المؤسسات؛ وهو عين الضابط القانوني والشرطي الفاصل الذي حدده الإمام أمير المؤمنين لمنع أي اعتقال تعسفي أو ضربات أمنية استباقية للمعارضة ما دامت متمسكة بالسلمية، مبيناً أن الحريات العامة مأمونة ومصونة والقتال محظور «ما لم تحدثوا فساداً» بسفك الدماء أو ترويع الآمنين.

ومع هذه التوافقات الكبيرة، بين القوانين الوضعية المعاصرة ومنهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يبرز فارق جوهري في طريقة تطبيق الحقوق؛ فالقوانين والأنظمة الحديثة وُلِدَتْ نتيجة صراعات سياسية وتجارب بشرية معاصرة، وهي تعتمد في فرضها على قوة الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية، أي أن الالتزام بها يأتي خوفاً من العقوبة القانونية. بالمقابل، فإن منهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يربط الحريات بقوة السلطة، بل جعلها واجباً أخلاقياً وتكليفاً ربانياً ينبع من داخل الإنسان؛ مكرساً حقيقة أن الحرية ليست منحة من حاكم أو نظام، بل هي أصل فطري وهبها الخالق لكل البشر، وهو ما تختصره وصيته الخالدة: «لا تكن عبدَ غيرِكَ وقد جعلَكَ اللهُ حُرّاً» (نهج البلاغة: الكتاب31).

وهكذا؛ وبحسب رؤية المرجع الشيرازي الراحل (رحمه الله) فإن إنكار مبادئ الشورى والحرية في فكر الإسلام وتجربته التطبيقية الأولى لا يقود إلا إلى بديل مظلم، وهو الفوضى والاستبداد ومصادرة الكرامة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، يتجلى الإسلام عبر سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كدين للحرية والتحرر، كافلاً لحق التجمع، وتشكيل الجمعيات والأحزاب، وممارسة المعارضة السلمية ومساءلة السلطة. وهي حقوق دستورية وإنسانية أصيلة لم تكن وليدة العصر الحديث، بل صاغها ميثاق الكوفة قبل أربعة عشر قرناً بنقش من ذهب في سجل الإنسانية.

-------------------------

(*) في شرح قول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «كنت أمس ناهياً، فأصبحت اليوم منهيّاً، وقد أحببتم البقاء، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون»، يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته): «(وكنت أمس ناهيا) عن الحكومة حينما اقترحتم عليّ (فأصبحت اليوم منهيّا)؛ إذ انّ أصحاب الإمام لما عرفوا المكيدة في التحكيم جعلوا ينهون الإمام عنه، بعد ما أُفلِتَتْ الزّمام من يده (عليه السلام)، وأعطى القول بقبوله .(وقد أحببتم البقاء) في الدّنيا ولذا أجبرتمونا على التّحكيم، لتنهوا بذلك أمر القتال (وليس لي ان أحملكم على ما تكرهون) من الحرب، وهذا توبيخ لهم، بتركهم الحرب، وجبنهم والزامهم للإمام بالتّحكيم ، ثمّ ندمهم ونهيهم له (عليه السلام) عن التّحكيم» (توضيح نهج البلاغة: ج3 - ص302)

تتجلى في هذه الحادثة أسمى مصاديق الحرية السياسية وحرية التعبير في الفكر العلوي؛ حيث تكشف الكلمات عن مناخ ديمقراطي فريد سمح للرعية بأن يختلفوا مع الحاكم بل ويتحولوا من موقع المتلقّين لأوامره ونواهيه «كنتُ أمسِ ناهياً» إلى موقع الآمرين والناهين له «فأصبحتُ اليومَ منهيّاً».وعلى الرغم من أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى في موقفهم تراجعاً ونكوصاً عن مواصلة المعركة وتحقيق النصر، إلا أنه لم يستغل سلطته المطلقة لقمع هذا الاعتراض أو فرض رأيه بالقوة العسكرية. بل إنه، وطبقاً لشرح المرجع الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته)، احتَرَمَ خيارهم الجماعي ونزولهم عند التحكيم، مؤكداً قاعدة دستورية خالدة في الإدارة السياسية: «وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون»؛ وهي قاعدة تُثبت أن سلطة المعارضة وإبداء الرأي المخالف ــ حتى في أصعب الظروف المصيرية كأوقات الحروب ــ كانت مصونة ومحترمة بالكامل، ولم يكن الحاكم في المنهج العلوي يُكرِه أحداً على اعتناق رؤيته أو اتباع سياسته رغماً عنه.