
|
السيدة الزهراء | الانحراف تحت ستار الدين أخطر ما يواجه الإيمان والإنسان والدولة |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 9/ ربيع الآخِر/ 1448
يحيي المؤمنون في هذه الأيام ذكرى رحيل سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها)، مظلومة شهيدة .. ولأنها بنت وحبيبة وقرة عين سيد الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله)، ولأنها "الصِدِّيقة، والزهراء، والبتول، والطاهرة، والمُحدَّثة، والراضية، والمرضيّة، والمًبارَكة، والزكيّة" فإن إحياء هذه الذكرى ليس مجرد استذكار لسيرة شخصية عظيمة، أبداً، بل وقفة تأمل في منجزها التأسيسي الذي يكتسب أهمية متجددة اليوم، خاصة في مواجهة أخطر تحديات العصر؛ ألا وهو الاستبداد الذي يتخذ من الدين قناعاً له. لقد كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) رائدة في تقديم وتجسيد منهج للفرز الحاسم بين مفهومين: * الحكومات الجائرة التي تدعي الإيمان بالإسلام، لكنها لا تتدين بأحكامه القائمة على العدل والحرية، * والإسلام الحقيقي، الذي هو دين العدل والحرية ومكارم الأخلاق. وهذا الموقف يشكّل ثورة قيمية ضد الاستبداد الديني، الذي يعد أخطر أنواع الاستبداد عبر التاريخ والى يومنا هذا؛ لأن خطره جسيم، وأضراره بالغة، وناره مستعرة تحت ستار القداسة الزائفة، إضافة الى مواجهته عادة تكلِّف خسائر باهظة. وكما أشار الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي (رضوان الله عليه)، فإن أهمية موقف السيدة الزهراء (عليها السلام) أهمية مضاعفة؛ لأنها هي مَنْ "بدأت بحل عقدة الخلط بين الدين وتصرفات الحكام الظلمة الذين يزعمون أنهم يمثلون الدين". لقد أنقذت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بذلك الموقف الشامخ الإسلام من خطر الزوال أو التشويه، حين جسّدت – بالموقف واللسان – أن أولئك لا يمثلون الإسلام ولا نبي الإسلام. هذا الفصل الضروري هو الذي منح الأجيال اللاحقة المقياس الإنساني والأخلاقي للتمييز بين الفكرة النقية للإسلام والتطبيق المنحرف للحكام. وفي ظل المشهد العالمي الراهن، حيث تتلبّد سماء المجتمعات الإسلامية عموماً بظواهر الاستبداد والانحراف والفساد الذي يتستر بالدين، تصبح الحاجة ماسّة لإحياء وتجسيد موقف السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). لقد قامت السيدة الزهراء (عليها السلام) بـ "إعلان البراءة" من الممارسات الخاطئة لحكام زعموا أنهم مسلمون، مؤكدة أنهم ليسوا إلا "حكاماً متخلفين حكموا المجتمعات الإسلامية بالحديد والنار". وإن دلالة هذا الموقف عميقة وواسعة النطاق تتجلى من خلال: * الدفاع عن المظلوم؛ حيث إن موقفها (عليها السلام) كان دفاعاً عن المظلومية المطلقة، وإعلاناً لضرورة مواجهة الحاكم الجائر، حتى وإنْ كان يظهر بمظهر المتدين. * حفظ نقاء المبدأ، فقد رسخت (عليها السلام) أن الانحراف السياسي لا ينبغي أن يُنسَب إلى الشريعة الإلهية النقية، بل إلى سوء التطبيق البشري وسيطرة الأهواء. واليوم، فإن إحياء ذكرى السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يتجاوز حدود الحزن والعزاء إلى التزام عملي؛ يتمثل بتجسيد قيمة الفرز التي أرستها، فإن هذه القيمة الإنسانية والأخلاقية لها دور أساسي في بناء: * الفرد الصالح الذي لا يبيع ضميره للسلطة تحت أي غطاء ديني. * المجتمع الواعي الذي يرفض الظلم والفساد مهما كانت الشعارات المرفوعة. * الأمة الحيّة التي تستمد قوتها من جوهر دينها (العدل والحرية) لا من الخضوع للاستبداد. وهكذا؛ فإن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بهذا الموقف الإسلامي والإنساني والأخلاقي، قدمت منجزاً قيمياً في غاية الأهمية، وهو أن السعي من أجل العدل والحرية هو من أجلّ الأعمال الصالحة، وهو الجهاد الأصيل للدين نفسه، وأن الانحراف تحت ستار الدين هو أخطر ما يواجه الإيمان والأخلاق والقيم والإنسان والمجتمع والدولة، على حد سواء. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|