
|
عندما يحكم "الأراذل" تكتمل أسباب "الهلاك" |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 8/ ربيع الآخِر/ 1448
تتأسس حكمة الإمام علي بن أبي طالب: "إذا مَلَك الأراذِلُ هَلَكَ الأَفاضِلُ" (غرر الحكم: 4033) لغوياً على أسلوب الشرط الحتمي (إذا)، مفيدة قطعية النتيجة وترابط الأسباب؛ حيث يتقابل "المُلْك" (بسط النفوذ والقرار) مع "الهلاك" (الإقصاء والدمار المعنوي والوظيفي)، وتتجلى المقابلة البلاغية بأوضح صورها في التضاد المطلق بين "الأراذل" (سَقَطُ الناس ودنيئو الخصال) و"الأفاضل" (أهل العلم والنزاهة والزيادة في الخير). وفي التفسير اللغوي لآلية هذا السقوط، يترشح أن الأراذل إذا تسلموا زمام الأمور وصاروا أصحاب اختيار، فإن طبيعتهم تدفعهم تلقائياً إلى تقريب وترقية أشباههم وأمثالهم من سفهاء الناس. وهؤلاء الحكام الأراذل لا يكتفون بإهمال الأفاضل وعدم رعايتهم فحسب، بل يسعون جاهدين في أذيتهم، والتضييق عليهم، ومحاربتهم؛ لأن وجود أهل الفضل والنزاهة يشكل تعرية مستمرة لفساد الأراذل وجيشهم، مما يؤدي في النهاية إلى فساد حال الأفاضل وتبدد طاقتهم أو تهميشهم بالكامل. وقد أولى الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) في موسوعته الاستدلالية "فقه الزهراء" اهتماماً بالغاً بهذا القانون الاجتماعي، حيث نصّ على أبعاد هذه الحكمة وما يترتب عليها في فلسفة الحكم، كتب (رحمه الله) في كتابه (من فقه الزهراء عليها السلام): "من الواجب إعطاء كل ذي حق حقه، ومن مصاديقه: وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتفويض الأدوار لذوي الكفاءات، وبذلك تستقيم أمور الدين والدنيا معاً. وفي الأحاديث أن من علائم زوال الحكومات؛ تقديم الأراذل وتأخير الأفاضل، قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «يُستَدَل على إدبار الدول بأربع: تضييع الأصول، والتمسك بالغرور، وتقديم الأراذل، وتأخير الأفاضل» (غرر الحكم ودرر الكلم: ح7835). وقال (عليه السلام): «تولي الأراذل والأحداث الدولَ دليل انحلالها وإدبارها» (غرر الحكم ودرر الكلم: ح7925). وورد في تفسير الْمُتَّقِينَ: «الذين يتقون الموبقات ويتقون تسليط السفه على أنفسهم» (تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص62). وقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل» (غرر الحكم ودرر الكلم: ح8036). وقال (عليه السلام): «رأس الرذائل اصطناع الأراذل» (غرر الحكم ودرر الكلم: ح8862)" (من فقه الزهراء عليها السلام: ج5 – ص13). وأضاف (قُدِس سره): «لقد كان السبب الأول في كافة المحن والمشاكل والرزايا التي تعرض لها المسلمون - من حكام جائرين مستبدين ومن هتك الحرمات ومصادرة الحقوق وضعف الإيمان - على مر التاريخ هو عدم إعطاء المناصب والمسؤوليات لذوي الكفاءات، بدءاً من رئيس الحكومة حتى أصغر مدير» (من فقه الزهراء عليها السلام: ج5 – ص15). وهكذا؛ تلتحم البنية اللغوية للحكمة العلوية بالرؤية الفقهية للإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله)، لتقدم تشخيصاً بنيوياً حاسماً وهو: إن تدمير معايير الكفاءة وتصدير الرديئين ليس مجرد خطأ سياسي عابر، بل هو نذير الخراب الأكبر، والمسمار الأول الذي يُدَق في نعش الاستقرار البشري وأذان سقوط الحضارات. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|