ليس مِنّا مَنْ يظلم الناس .. ساءَتْ حاكميتكم!




 

 

موقع الإمام الشيرازي

23 / ربيع الأول/ 1448

 

 

دأب المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) على ربط القيم الأخلاقية والتعاليم الدينية بقضايا الإنسان المعاصر وأزماته المتلاحقة. وقد برز الظلم كأحد المحاور الجوهرية في نتاجه الفكري، بوصفه المسبّب الرئيس للتصدعات الإيمانية والاجتماعية والسياسية. ومن منطلق استناده إلى الثقلين (الكتاب والعترة)، صاغ (قُدِّس سره) رؤية تحذيرية من عواقب الظلم، مشدداً على أن أثر الظلم لا يتوقف عند ضياع الحقوق، بل يمتد للإطاحة بتوازن الفرد واستقرار المجتمع وشخصية الحاكم وهيبة الحكم وسلطة الدولة.

وإنطلاقاً من أن الظلم هو "وضع الشيء في غير موضعه"، وقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "الظلم في الدنيا بوار، وفي الآخرة دمار" (غرر الحكم ودرر الكلم: ص457). أكد الإمام الشيرازي الراحل على أن الإنسان العاقل لا خيار له إلا أن يبتعد عن الظلم؛ لأنه بمقدار ما يظلم الظالم يجد جزاء ظلمه في الآخرة. ويبين أن الظالم خاسر حتماً، فيقول (قده): "عناء الظلم يزول عمن ظلمه ويبقى وزره على الظالم" (العدل أساس الملك: ص108). كما شدد على تجنب الظلم حيث إن عقاب الله للظالم شديد فيجب على الإنسان أن يتجنب الوقوع في أي نوع من الظلم، صغيراً أو كبيراً، لأن الله سبحانه وَعَدَ الظالمين بعذاب أليم، قال تعالى: (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ)(يونس: 52).

وتماهياً مع تقسيم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للظلم، يقول (رحمه الله) الظلم ثلاثة أنواع:

* "ظلم لا يُغفَر" وهو الشرك بالله، باعتباره انتهاكاً للتوحيد ووضع العبادة في غير محلها،

* "ظلم لا يُترَك" وهو ظلم العباد، كالتجاوز على حقوق الآخرين، الذي لا يُسْقِطه إلا رضا المظلوم أو التعويض،

* "ظلم يُغفَر لا يُطلَب" وهو ظلم النفس بارتكاب الذنوب دون الشرك.

مشيراً (قُدِّس سره) الى أن المغفرة مرتبطة بالتوبة، والظلم مخالفة متدرجة الخطورة، تربط بين البعد العقدي والاجتماعي.

في السياق، يرى الإمام الشيرازي (رحمه الله) أن الظلم ليس جريمة فردية فحسب، بل للظلم تداعيات مجتمعية واسعة:

* على الفرد من خلال أمراض نفسية وجسدية، كعقوبة دنيوية لانتهاك حقوق الآخرين.

* على المجتمع عبر تفكك الأمن الاجتماعي، وانتشار الفوضى، خاصة إذا تسلط الحكام الظالمون، حيث يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "شر الزاد إلى المعاد إحتقاب ظلم العباد" (ثواب الأعمال: ص280).

* على النظام القانوني حيث إن تجاوز القوانين الإلهية يؤدي إلى اختلال الموازين، وهو ما يُضعِف هيبة العدالة.

واستناداً الى قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "مَنْ ظلم سلط الله عليه مَنْ يظلمه" (الكافي: ج2 – ص332)، يؤكد (قُدِّس سره) أن الظالم قد يبتلى بظالم مثله في الدنيا.

ويوضح (أعلى الله درجاته) أن الظالم يُحاسَب في ثلاث عوالم:

* الدنيا عبر العقوبات المباشرة،

* البرزخ وهو المرحلة بين الموت والقيامة، حيث يُعذّب الظالم في قبره "حفرة من حفر النيران"،

* القيامة حيث يُحاسَب على كل ذنب، ويُقتص منه حتى لو كان بمقدار "مثقال ذرة".

ويستدل (قُدِّس سره) بالقرآن الكريم: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)(الشورى: 40)، مؤكداً أن العدل الإلهي دقيق لا يظلم أحداً.

ويُحذّر (أعلى الله درجاته) مِنْ تسلِّط الحكام الظالمين، مذكراً بقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "شر الأمراء مَنْ ظلم رعيته" (نهج البلاغة). لذلك، يقول (قُدِّس سره): "من واجب المجتمع المسلم التوجه بالعمل المستمر والمنظم، والدعاء والتوسل إلى الله تعالى بالنصرة للقضاء على الحكم الفاسد" (مستقبل العراق بين الدعاء والعمل: ص25). بالموازاة، يشترط الإمام الشيرازي (رحمه الله) في الحاكم:

* الإيمان ليمنعه ورعه عن ظلم الناس،

* العدالة لضمان حقوق الرعية،

الحكمة لتسيير أمور البلاد والعباد بأفضل الطرق والوسائل،

* الرحمة ليكون كالوالد الرحيم.

في الوقت نفسه، يرفض الإمام الشيرازي الراحل السكوت عن الظلم، وفقاً لقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام" (جامع الأخبار: ص155). في السياق، يحذر من تواجد الظلم، فيقول (قُدِّس سره): "المجتمع الذي تكثر فيه حالة الظلم، لابد وأن تكثر فيه الاضطرابات المختلفة، وحالة عدم الاستقرار، وتترتب عليه آثار وخيمة في نفوس أبناء المجتمع" (آثار الظلم في الدنيا والآخرة: ص25).

وهكذا، يخلص الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله) إلى أن الظلم ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل هو انحراف عن الفطرة الإنسانية والشرع الإلهي. مذكراً بقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "أقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا عليه ظالمين" (نهج البلاغة). في المقابل، يدعو (قُدِّس سره) الى التمسك بالعدل كقيمة جامعة تحمي الفرد والمجتمع من الانهيار، وتقرب الإنسان الى الله سبحانه، وتكون له زاداً مباركاً في الدنيا والآخرة، لافتاً (أعلى الله درجاته) الى التأمل والتفكر والاعتبار بوصية الإمام الصادق (عليه السلام) لابن جندب: "يَا ابْنَ جُنْدَب بلِّغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب، فوالله لا تُنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الاخوان في الله، وليس مِنْ شيعتنا مَنْ يظلم الناس" (بحار الأنوار: ج75 - ص279_280).