ذكرى المولد النبوي .. تقويم التدين واستعادة بوصلة الرحمة والعدالة




 

 

موقع الإمـــــام الشيرازي

16/ ربيع الأول/ 1448هـ

 

 

في أيام العشرة الثانية من شهر ربيع الأول، من كل عام، تشرق على العالم ذكرى عطرة ومناسبة جليلة؛ وهي الذكرى المباركة والكريمة لمولد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، نبي الإسلام، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم (صلى الله عليه وآله)(1).

النبي الخاتم الذي انبثق نوره المبارك في بيئة غارقة في دياجير الجاهلية وظلماتها؛ حيث كان القوم يعبدون الأصنام، ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويأكلون الربا، ويشربون الخمر، ويحرمون المرأة من الميراث، ويأدون البنات خشية الفقر، ويستبيح فيها القوي حق الضعيف، فكان مولده وبعثته بشارة خلاص لبني قومه وللبشرية جمعاء، وتحولاً جذرياً في مسار التاريخ الإنساني.

النبي الخاتَم الذي انبثق نوره المبارك في بيئة غارقة في دياجير الجاهلية وظلماتها؛ حيث كان القوم يعبدون الأصنام، ويأكلون الميتة، ويَقطَعون الأرحام، ويؤدُون البنات خشية الفقر، ويستبيح فيها القوي حق الضعيف. ورغم تلك الظلمات، فقد ومَضَت في نفوسهم شِيَم كريمة وعادات نبيلة؛ فكانوا أهل كرم لا يُضام ضيفهم، وشجاعة وإيفاء بالعهود، وإغاثة للملهوف. فجاء مولده وبعثته تهذيباً لما حَسُن من خِلالهم، وخلاصاً لبني قومه وللبشرية جمعاء، ليكون تحولاً جذرياً في مسار التاريخ الإنساني.

لقد اختزل النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) غاية رسالته في كلمة جامعة موجزة حين قال: »إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق« (بحار الأنوار: ج88 - ص182)(2)، وهو ما زكّاه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، واصفاً جوهر هذه البعثة بأنها تجلٍّ للرحمة الإلهية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ومذكّراً الأمة بركيزة هذه الرحمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).

الأخلاق النبوية .. منهج حكم وبناء إنساني

ولأن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو القدوة والأسوة التي تلتقي حولها الأمة بمختلف مشاربها ومذاهبها الفكرية والفقهية، فإن الاحتفاء بمولده الكريم لا ينبغي أن يقف عند حدود الاستذكار الشكلي، بل يقتضي - وهذا الأهم - استحضار أخلاقه وسيرته العملية التي أسس عليها دعائم المجتمع والدولة في كافة المجالات: السياسية، والحكومية، والاقتصادية، والتربوية، والأسرية.

هنا، يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته):

«يلاحظ المتتبع لسيرة المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) براءة منهجهم من العنف والعصبية، وارتكازه على السلم والرفق واللين. ورغم ما حف بـحياته (صلى الله عليه وآله) من آلام وخطوب، فقد ظل باسم الثغر، رحب الصدر، يفيض حباً وحناناً في معاملة الصديق والعدو؛ وبهذه الأخلاق الرفيعة دخل الناس في الإسلام أفواجاً، وبها ساد الإسلام وانتشر».

بهذا المنهج الإنساني الرفيع، أصلح النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) بين قبيلتي الأوس والخزرج بعد نزاع واقتتال دام قرابة ثلاثة قرون، وغرس بدلاً منه شجرة المؤاخاة والألفة. وجسد مبدأ الحرية الفكرية وكرامة الاختيار، فلم يُسجَّل في تاريخه قط إكراه أحد على عقيدة، عملاً بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة: 256)، وقوله سبحانه: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾(الكهف: 29)، بل عاش في كنفه المسلم والمسيحي واليهودي في إطار من المواطنة وحسن الجوار، مؤصلاً لقاعدة إنسانية كبرى: «الخَلْقُ عيال الله، وأحبّ الخلق إلى الله مَن نَفع عيالَ الله، وأدخل على بيتٍ سروراً »(الكافي: ج2 - ص164)، وقوله: «خَيْرُ النَّاسِ مَنِ انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ» (مستدرك وسائل الشيعة: ج12 - ص77).

مفارقة الواقع .. التدين الشكلي وغياب الروح النبوية

عندما نمعن النظر في واقع العالم الإسلامي المعاصر، نجد بوناً شاسعاً ومفارقة مؤلمة بين النظرية والتطبيق. وفي هذا الإطار، يضعنا سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) أمام هذه المساءلة الصريحة بقوله:

«في كل مكان من عالم اليوم، يُذكَر الإسلام وتُتلى آيات القرآن الكريم، ولكن هل ترى مثل ما عمله النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) من الإسلام والقرآن الكريم في مكان ما؟! وهل الدول الإسلامية ملتزمة بعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بمقدار واحد بالمئة؟! لو كان النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) بيننا اليوم ووسط المجتمعات الإسلامية، فهل سيرضى بالإسلام الذي يعمل المسلمون به اليوم على مستوى العالم؟! فهل الإسلام الموجود اليوم، هو الإسلام نفسه الذي بيّنه بأقواله وبأعماله؟ فبلا شكّ كلا، فما نشاهده اليوم من إسلام لا يرضى به النبي الكريم».

إن تفشي الفساد السياسي والإداري، والتقاعس عن إقامة العدل، وتهاون الطبيب بصحة مريضه، وتفريط الموظف بأمانته، وتفكك الروابط الأسرية بالتعدي والعقوق، والاعتداء على المال العام، والاقتتال العشائري العبثي، والنزاعات الحزبية الضيقة، وخنوع المجتمعات عن نصرة المظلوم؛ وعدول بعض رجال الدين عن كلمة الحق لحساب المصالح، كلها مظاهر تتناقض كلياً مع الهدي النبوي الشريف ومفهوم المسؤولية الاجتماعية الذي لخّصه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «مَنْ أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم» (الكافي: ج2 - ص164).

إن الإسلام ليس مجرد شعارات تُرفَع، بل هو نظام حياة قوامه العدالة وكرامة الإنسان؛ ولهذا يوضح الإمام الشيرازي الراحل مكمن الخلل قائلاً:

«يغيب أثر الإسلام بوصفه كلاًّ متكاملاً مُستقى من الكتاب والسنة عن واقع الحياة العملية لمعظم المسلمين؛ ونتيجة لهذا التجزؤ والامتثال الجزئي للأحكام، يَعجِز التدين القائم عن تقديم حلول حقيقية للأزمات والمشكلات

العدالة والنزاهة .. فلسفة الحكم في التجربة النبوية والعلوية

أثبتت التجربة النبوية الرائدة في المدينة المنورة، وتلتها تجربة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) – على قصر مدتها وثقل التحديات والحروب المفروضة عليها – أن العدالة والرخاء ليسا طوباوية حالمة ولا يوتوبيا مستحيلة التحقق، بل هما واقع موضوعي يتجسد متى ما استشعر الحاكم رقابة ربه وحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الناس.

إن العدل ليس مجرد فضيلة أخلاقية عابرة أو نافلة سلوكية، بل هو قيمة إنسانية، دينية، ووجودية كبرى؛ يشكل الركيزة الأساسية لاستقامة المجتمعات، وحفظ كرامة الإنسان، وازدهار الدول. فالعدل يتكامل مع مفاهيم الحق والإنصاف والأمانة والنزاهة، وبدونه تسقط شرعية أي نظام مهما ادعى من قداسة. وفي هذا المعنى البليغ يصف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عطش النفوس الفطرية للإنصاف قائلاً: «العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن» (الوافي: ج3 - ص89). كما يوجز الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) جوهر الدين حين سُئل عن شرائعه بقوله: «قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد» (بحار الأنوار: ج16 - ص125)؛ ليؤكد أن المبدأ الحاكم للإسلام هو تحويل العدل من شعار مجرد إلى منهج حياة وإدارة شاملة.

وفي مقابل ذلك، يقف الإسلام موقفاً حاسماً لا هوادة فيه ضد الظلم بكل أنواعه وتجلياته؛ صغيراً كان أم كبيراً، على قريب أو بعيد، حاكماً كان الظالم أو محكوماً. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الشورى: 42)، ويحذر سبحانه المتجبرين بوعيد قاطع: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: 42).

وتتعاظم هذه الجريمة وتغدو أشد فداحة حين تصدر ممن يتصدى للمسؤولية باسم الأمة أو الدين؛ إذ يحذر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) من خطورة تسلط الجائرين قائلاً: «أهون الخلق على الله من وُلي أمر المسلمين فلم يعدل فيهم »(بحار الأنوار: ج72 – ص352). ولم يقف التحذير النبوي عند العموميات، بل فصّل في فداحة التهاون بحقوق الرعية حين قال (صلى الله عليه وآله): «جور ساعة في حكم، أشد وأعظم عند الله من معاصي تسعين سنة» (بحار الأنوار: ج72 – ص352)؛ ذلك لأن انحراف السلطة وسلبها للحقوق يورثان البؤس العام، ويدمران كرامة الأوطان، ويهدران إنسانية الإنسان.

ولم تكن تلك التعاليم في عهد النبي والوصي (صلوات الله عليهما) نصوصاً تتلى في المحاريب فحسب، بل تحولت إلى سياسات عملية لم يُرَ في ظلها جائعٌ مهمل، ولا خائف مُكمّم الفم، ولا مسلوب الحق. وفي تجلية هذا الملمح الحقوقي الفريد، يوضح المرجع الراحل الإمام محمد الشيرازي (أعلى الله درجاته) طبيعة الحكم النبوي القائم على ثقافة التسامح والحرية السياسية:

«بلغت سياسة نبي الإسلام في السلم واللاعنف قدراً من السمو أتاح المضمار لشتى الطوائف - على اختلاف مشاربهم وأفكارهم - للتعبير عن آرائهم واعتراضاتهم إزاء كل شاردة وواردة على الساحة العامة، وهو ما يُعرف اليوم بـ "حرية المعارضة وضمان حقوقها". ففي عهده (صلى الله عليه وآله)، كان المعارضون - حتى من غير المسلمين - يجهرون باعتراضاتهم بأمان، وكان الرسول الأكرم يتلقاها برحب صدر، ويتعامل معهم بحفاوة واحترام، منزهاً سلطته وسياسته عن أساليب القمع والبطش».

إن هذه المكتسبات الإنسانية والسياسية لم تأتِ اعتباطاً، بل كانت ثمرة طبيعية لنزاهة الحاكم، وزهده التام في مغانم السلطة، وانصهاره في هموم شعبه. وقد رسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الدستور الأخلاقي للحاكم العادل في وثيقته التاريخية الخالدة:

»وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة! ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟! أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟» (بحار الأنوار: ج33 – ص474).

إن هذا الإرث الإسلامي (النبوي والعلوي) العظيم يضع اليوم كل نظام يتشدق بالانتماء للإسلام أو مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أمام مرآة الحقيقة الصادقة؛ فالانتماء لنهج نبي الإسلام ووصي نبي الإسلام (عليهما الصلاة والسلام) لا يقاس بالخطابات ولا برفع الشعارات، بل بمقدار ما يتحقق في الواقع من بسطٍ للعدل، وصيانة للحرية والكرامة، واجتثاث للظلم والقمع والخوف والبؤس والفقر والحرمان.

سبيل النهوض .. نحو إعادة تقويم التدين وبناء الإنسان

إن الأمة اليوم بأمسّ الحاجة إلى مراجعة شاملة لواقعها الديني والفكري؛ مراجعة تنقل التدين من شكلياته التعبدية والطقوسية إلى جوهره الأخلاقي والسلوكي، وتتحدد أولويات هذا النهوض في عدة مرتكزات:

1- إعادة الاعتبار للسيرة النبوية الحقيقية بوصفها سيرة تحترم كرامة الإنسان كإنسان (مسلماً كان أم غير مسلم)، وتقوم على قيم العدالة، والحرية، والنزاهة، والشفافية، والرحمة، وعمارة الأرض.

2- استثمار المشتركات الكبرى وتوطيد الأخوة، فإن الأمة التي تعبد رباً واحداً، وتتبع نبياً واحداً، وتتلو كتاباً واحداً، وتتجه لقبلة واحدة، أولى بها أن تكون كـ«الجسد الواحد» بدلاً من الانجرار خلف صراعات مذهبية وفئوية مفتعلة، مستحضرين أدب الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في رسالة الحقوق:

«وأما حق أهل ملتك: إضمار السلامة والرحمة لهم، والرفقُ بمسيئهم وتألّفهم، واستصلاحهم، وشكر محسنهم، وكف الأذى عنهم، وأن تحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك».

3- مسؤولية أهل الرأي والوعظ والإرشاد، حيث يقع على عاتق الفقهاء والعلماء والمفكرين والخطباء قبل غيرهم واجب إخماد الفتن، والتنديد بالأفعال الفتنوية، وشجب السلوكيات الغوغائية التي تتهجم وتسب وتشتم وتنال من أتباع هذا المذهب أو الفكر أو ذلك المرجع أو الرأي أو المنهج أو تلك الديانة أو العقيدة، وترسيخ قيم السلم الأهلي، والدعوة إلى الإصلاح الشامل بالحكمة والموعظة الحسنة.

وهكذا؛ فإن ذكرى ولادة النور، سيد النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، هي محطة سنوية لتجديد العهد مع صاحب الذكرى (صلى الله عليه وآله)، واستلهام مشروعه الإيماني والإنساني العظيم؛ لبناء إنسان صالح ومجتمع فاضل ودول يسودها العدل والرخاء والحرية والفضيلة. وكما عبّر الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله):

«إن إيمان المجتمع بالقيم الإسلامية العليا - متمثلة في السيرة النبوية المباركة ونهج أهل البيت (عليهم السلام) - كفيلٌ بإنهاء الصراعات الفردية، وإشاعة روح التكافل والبذل، وتحصين المجتمع من الانزلاق نحو الجريمة والآثام».

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).

---------------------------------------

هوامش

(1) ماذا حَدَثَ في صَبِيحَةَ مَوْلِدِ سيد الأنبياء

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «...وَأَصْبَحَتِ الْأَصْنَامُ كُلُّهَا صَبِيحَةَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ لَيْسَ مِنْهَا صَنَمٌ إِلَّا وَهُوَ مُنْكَبٌّ عَلَى وَجْهِهِ، وَارْتَجَسَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِيوَانُ كِسْرَى، وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَفَاضَ وَادِي السَّمَاوَةِ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ فَارِسَ وَلَمْ تَخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَرَأَى الْمُوبَذَانُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْمَنَامِ إِبِلًا صِعَاباً تَقُودُ خَيْلًا عِرَاباً قَدْ قَطَعَتِ دِجْلَةَ وَانْسَرَبَتْ فِي بِلَادِهِمْ، وَانْقَصَمَ طَاقُ الْمَلِكِ كِسْرَى مِنْ وَسَطِهِ، وَانْخَرَقَتْ عَلَيْهِ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ، وَانْتَشَرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نُورٌ مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ ثُمَّ اسْتَطَارَ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ، وَلَمْ يَبْقَ سَرِيرٌ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا إِلَّا أَصْبَحَ مَنْكُوساً وَالْمَلِكُ مُخْرَساً لَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَانْتُزِعَ عِلْمُ الْكَهَنَةِ، وَبَطَلَ سِحْرُ السَّحَرَةِ، وَلَمْ تَبْقَ كَاهِنَةٌ فِي الْعَرَبِ إِلَّا حُجِبَتْ عَنْ صَاحِبَتِهَا، وَعَظُمَتْ قُرَيْشٌ فِي الْعَرَبِ وَسُمُّوا آلَ اللهِ .. وإِنَّمَا سُمُّوا آلَ اللهِ لِأَنَّهُمْ فِي بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ». (الأمالي: ص360  /  البحار: ج15 - ص263).

* ارتجس البناء: تحرك واهتز فسمع له صوت .

* إيوان: المكان المتسع من البيت يحيط به ثلاثة حيطان، ومنه أيوان كسرى بمعنى قصره .

* كسرى: هو أنو شيروان، ومعناه مجدد الملك، لأنه جمع ملك فارس الكبير بعد شتات.

الشرفة من القصر: ما أشرف من بنائه.

* ساوة: مدينة حسنة بين الرى وهمذان.

* غاض الماء: نقص أو غار .

* الموبذان للمجوس: كقاضى القضاة للمسلمين، وقيل: أعلمهم أو فقيههم.

* الارتجاس: الاضطراب والتزلزل

(2) يؤكد الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته) أن الغاية من العبادات هي "إتمام مكارم الأخلاق" وفقاً لما رُويَ عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق" (بحار الأنوار: ج88 - ص182)، مما يجعل الأخلاق محوراً لصلاح الدنيا والآخرة، يقول (رحمه الله): "إن الإسلام منذ أن أعلن نبيه العظيم (صلى الله عليه وآله) أنه إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، أبدى شيئاً لم يكن من قبل، وهو الارتباط الوثيق بين الدين والخلق، حتى أن كل شعيرة من شعائر الإسلام متلاحمة مع فضيلة من الفضائل، فلا الدين وحده، ولا الأخلاق وحدها، بل دين وأخلاق. وهكذا؛ فمَنْ لا فضيلة له، لا دين له، وإنْ صلّى وصام وزكّى وحج، ومَنْ لا دين له، لا فضيلة له، وإنْ جاد وأعطى، وواسى ووفى" (الأخلاق الإسلامية: ص6).