
|
الإمام جعفر الصادق .. الأخلاق ومشروع بناء الإنسان |
|
|
|
|
|
|
|
|
في ذكرى مولده الكريم وانبثاق نوره الذي لا يُطْفَأُ
موقع الإمـــــام الشيرازي 15/ ربيع الأول/ 1448هـ
اتسم المنهج التوجيهي للإمام جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه)* بالشمولية والاتساع؛ إذ لم تنحصر وصاياه ومتبنياته الفكرية والسلوكية والتربوية والإصلاحية في إطار ضيق، بل تنوعت بتنوع غاياتها والمخاطَبين بها .. فمن وصايا خاصة يوجهها لأهل بيته وللأئمة من بعده تثبيتاً للإمامة وقطعاً لدابر النزاع بين الشيعة، إلى وصايا نوعية يختص بها أتباعه ومحبيه لبناء نموذج مجتمعي رائد، وصولاً إلى خطاب عام مفتوح يتسع للأمة بأسرها بكل مللها وأطيافها. كما لم يغب عن دائرة اهتمامه أهل الحكم والإدارة، حيث وجّه لهم نصائح تقويمية ترشد السياسة وتكبح جماح الظلم والاستبداد، انطلاقاً من مبدأ أن الهداية والنصيحة حق مشاع للإنسانية جمعاء، لا يُحجَب حتى عن المخالفين. وقد ارتكزت تلك المنظومة الجعفرية الأخلاقية الإرشادية على تكريس ثقافة العدل، والرحمة، والأمانة، والسلم الأهلي، وقبول الاختلاف، ورفض العنف، وترسيخ مكارم الأخلاق، مع تشديد دائم على ضرورة المواءمة الحتمية بين القول والعمل؛ فلا قيمة لمعتقد ينفصل عن السلوك اليومي. ومن هذا المنطلق، يرسم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ملامح المجتمع الآمن المتماسك من خلال تعظيم كرامة الإنسان وصيانة حقوقه؛ فالمسؤولية عنده تبدأ من المشاعر وتصل إلى السلوك العملي، مؤكداً أن مجرد ترويع الآمنين جريمة أخلاقية كبرى، حيث يقول: "مَنْ نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله يوم لا ظل إلا ظله" (الكافي: ج2 – ص368). وتتكامل هذه الحرمة الإنسانية مع الدعوة إلى توثيق الروابط الاجتماعية والبر؛ فيحث الناس قائلاً: "صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم، وبروا بإخوانكم، ولو بحسن السلام ورد الجواب" (الكافي: ج2 – ص157). لتكتمل هذه الدائرة الأخلاقية في التلازم الوثيق بين طهارة النية وصدق اللسان وانعكاسهما على بركة الحياة والرزق، كما في قوله: "مَنْ صدق لسانه زكا عمله، ومَنْ حسنت نيته زاد الله في رزقه، ومَنْ حسن بره بأهله زاد الله في عمره" (بحار الأنوار: ج66 – ص385). وهكذا، فقد جعل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) سلوك أتباعه المعيار الحقيقي لولائهم؛ فهم المرآة العاكسة لمدرسة آل البيت (عليهم السلام). فالانتماء في فكره ليس شعاراً عاطفياً يُرفَع، ولا دعوى يُتكسّب بها رياءً ومصلحة، بل هو تجسيد عملي للورع والتقوى ومكارم الأخلاق بصدق ويقين، مذكّراً بأن «لا ينال شفاعتنا مستخفّ بصلاة» (من لا يحضره الفقيه: ج1 – ص206). وورد في خطاب له (عليه السلام)، وكان الناس يجتمعون في بيته، والبيت غاصّ بأهله، فيه الخراساني، والشامي، ومن أهل الآفاق، لم أجد موضعاً أقعد فيه، فجلس أبو عبد الله (عليه السلام) وكان متّكئاً ثمّ قال: «يا شيعة آل محمّد، إنّه ليس منّا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يُحسن صحبة من صَحِبَه، ومخالقة مَن خالقَه، ومرافقة مَن رافقَهُ، ومجاورة مَن جاورَهُ، وممالحة مَن مالحهُ .. يا شيعة آل محمد، اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (اُصول الكافي: ج2 - ص465). وقد صاغ الإمام الميثاق الأخلاقي لمدرسته بكلمات بليغة خاطب بها أصحابه: «إنّ الرجل منكم إذا وَرِعَ في دينه، وصدق الحديث، وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري، وقيل: هذا أدب جعفر، فيكون بين عشيرته أدّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم» (شرح أصول الكافي: ج11 – ص91). وأوصى قوماً من أصحابه فقال لهم: «اجعلوا أمركم هذا للّه، ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان للّه فهو له وما كان للناس فلا يصعد إلى اللّه، ولا تخاصموا الناس بدينكم فإن الخصومة ممرضة للقلب، إن اللّه قال لنبيه يا محمد (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ)، وقال: (أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)» (مسند الإمام الصادق: ج5 – ص93). ولم تكن تلك التعاليم المباركة تنظيراً مجرداً، بل تجسدت في سيرة الإمام (عليه السلام) وسمته النبوي؛ فقد ذكر الزمخشري في كتابه «ربيع الأبرار» أن الإمام رحّب بالشقراني وقضى حاجته رغم علمه ببعض هنّاته، ثم وعظه بلطف وتعريض رفيع قائلاً: «الحَسَن من كلّ أحد حَسَن، وأنه منك أحسن، لمكانك منّا، وأن القبيح من كلّ أحد قبيح، وأنه منك أقبح، لمكانك منّا» (بحار الأنوار: ج47 - ص350). هكذا كان (عليه السلام) يعامِل الناس ببسط الوجه والمروءة واللطف والرحمة، يرفع الحرج عن السائلين، ويفتح بابه واسعاً لطلاب العلم والمعرفة بلا تردد أو وجل. غير أن هذا الامتداد الروحي، والتفاف الناس حول قامة الإمام وعلمه، كان مدعاة لخشية السلطة الحاكمة وحسدها؛ فمع إحكام العباسيين قبضتهم على مقاليد الحكم، اشتدت وطأة التضييق من قِبل الخليفة أبي جعفر المنصور. وتنوعت أساليب الملاحقة بين استدعاء الإمام مراراً من المدينة إلى الكوفة وهو شيخ طاعن في السن، ومحاولة عزل تلاميذه ورواته، وصولاً إلى الاعتداء على داره وحرقها. لكن الإمام (عليه السلام) واجه كل ذلك بصبر وثبات وإباء، مستمراً في أداء رسالته وتبليغ أمانته حتى اللحظة الأخيرة. وحين عجزت أدوات الاستبداد عن تحجيم هيبته ومكانته في وجدان المؤمنين وعموم الأمة، أوعز المنصور بدسّ السم إليه، لتصدق مقالة الإمام (عليه السلام): «ما منا إلا مقتول أو شهيد» (من لا يحضره الفقيه: ج2 - ص351). لقد مضى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) شهيداً محتسباً، ليكتب الله له خلوداً لا يزول في عقول العلماء وضمائر الأحرار ومنهج المصلحين، وتبقى مدرسته منارة حيّة للعلم والأخلاق، بينما طوى النسيان والمذمّة كلَّ من راموا إطفاء نوره وظلموا حقه. ----------------------------- هامش (*) في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثمانين بعد الهجرة وُلِدَ الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين الشهيد بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم الصلاة والسلام، وقد لقّبه جدّه سيد النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله بالصادق، حيث قال: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِهِ ـ أي صُلب محمّد الباقر ـ كَلِمَةَ الحَقِّ وَلِسَانَ الصِّدْقِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَمَا اسْمُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: جَعْفَرٌ، صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ وَفِعَالِهِ، الطَّاعِنُ عَلَيْهِ كَالطَّاعِنِ عَلَيَّ، وَالرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيّ» (كفاية الأثر: 83). وقد تحدث العلماء والفقهاء والمؤرخون عن سعة علمه ورجاحة حكمته وعلو خلقه وزهده وعبادته، ففي سعة علمه وانتشار فضله؛ قال الشيخ المفيد (ت: 413هـ): «نَقَلَ النَّاسُ عَنْهُ مِنَ الْعُلُومِ مَا سَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ، وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْعُلَمَاءِ مَا نُقِلَ عَنْه» (الإرشاد: ج2 - ص179)، وأشاد الشيخ محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652ﻫ) بمكانته الرفيعة قائلاً: «هو من عظماء أهل البيت وساداتهم عليهم السلام، ذو علوم جمّة، وعبادة موفرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبّع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه» (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص436)، كما شهد له مالك بن أنس إمام المالكية قائلاً: «والله ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد زهداً وفضلاً وعبادة وورعاً، وكنت أقصده فيُكرمني ويقبل عليّ» (الأمالي للصدوق: ص852)، وأضاف أيضاً: «وكان رجلاً لا يخلو من ثلاث خصال: إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإمّا ذاكراً، وكان من عظماء العبّاد، وأكابر الزهّاد الذين يخشون الله عزّ وجل، وكان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد» (المصدر السابق: ص234). في السياق، وصف ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855ﻫ) بروزه وفضله قائلاً: «كان جعفر الصادق ابن محمّد بن علي بن الحسين من بين إخوانه خليفة أبيه محمّد بن علي ووصيّه، والقائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل، وكان أنبههم ذكراً، وأعظمهم قدراً، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نُقل عنه من الحديث» (الفصول المهمّة: ج2 - ص907). وعلى هذا النحو، قال حسن بن زياد شهادته بما سمعه من أبي حنيفة حين سُئل: مَن أفقه مَن رأيت؟ فقال: «ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد» (الكامل لابن عدي: ج2 - ص132). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|