المؤسسة الدينية .. المسؤولية العامة وفقه الموقف




 

 

موقع الإمام الشيرازي

13/ ربيع الأول/ 1448

 

 

لا تنشأ إشكالية العلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة/الدولة من مجرد التداخل الوظيفي في إدارة الشأن العام، بل من اختلال الميزان القيمي حين تلوذ المؤسسة الدينية بالصمت الملتبس بدعوى الحفاظ على المسافة من السلطة، فيتحول حيادها المفتَرَض إلى تخلٍّ صريح عن واجب الهداية والانتصار للعدالة. وهكذا؛ فإن المؤسسة الدينية، بحكم موقعها الرمزي والإيماني، لا تقاس بما تقوله في أوقات الرخاء فحسب، بل بالدرجة الأولى بما تختاره من مواقف في اللحظات الحرجة والمصيرية؛ فالصمت في معرض الحاجة إلى البيان ليس مجرد انكفاء، بل هو موقف سياسي ومسؤولية أخلاقية كاملة.

تمثل المرجعية الدينية قمة الهرم التوجيهي في الواقع الشيعي، ممتدة في أثرها عبر الحوزات العلمية، والمنابر، وشبكات الوكلاء، والمؤسسات الخيرية والمالية والثقافية. من هنا، فإن النقد الموجه لأداء هذه المنظومة لا ينطلق من استهداف الأشخاص، بل يمارس حق المساءلة الأخلاقية لموقع القيادة العامة.

إن حصر دور المرجعية الدينية في التوجيه التعبدي والشعائري وإدارة الموارد الذاتية، بعيداً عن صراعات الناس مع الظلم والقمع والفقر، يُعَد تفريغاً لجوهر الرسالة الدينية. فإن المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) يؤكد أن القيادة الروحية تكليف شامل يتطلب الحضور الفاعل في قضايا الأمة، محذراً من أن غياب الرؤية المعاصرة يُفقِد المؤسسة الدينية أو المرجعية الدينية قدرتها على التأثير، ويترك فراغاً تستفرد به قوى الهيمنة، حيث يشير (رحمه الله) بوضوح الى أنه: »إذا افتقر المرجع الديني للرؤية المعاصرة للأحداث، فإن طبقة من الناس وهم المثقفون سيتركون المرجع ويتبعون من له موقف ورؤية في هذه الأمور« (المرجعية الإسلامية: ص61).

وتتعاظم خطورة هذا التراجع حين تجنح بعض الخطابات المنبرية والأصوات الدينية إلى -على سبيل المثال- تجريم مَنْ يسأل عن ثروات البلاد المهدورة ومصير مقدرات الأمة، داعية الناس إلى الصمت والوقوف متفرجين تحت ذريعة "عدم التدخل في شؤون الحكم" أو حجة "مخاطر محاربة الفساد تجنباً للفوضى" .. هنا يبرز تساؤل مؤلم: كيف استمرأ الفاسدون تبديد ثروات مجتمعات بأكملها وتجويع الملايين على مدى عقود دون خشية من موقف ديني حاسم يرفع الغطاء عنهم، ويندد بهم، ويدعو المؤمنين الى التظاهر ضدهم وإخراجهم من حكم البلاد؟ من أين جاءهم هذا الاطمئنان المطلق لولا شعورهم بأن الصوت الديني قد استُدرِج لمنطق التهدئة وحسابات التوازنات؟!

يحذر الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته) من انزلاق الخطاب الديني ليكون موازياً لحسابات السلطة، مؤكداً ضرورة امتلاك معايير حاسمة؛ إذ يجعل "أصل الإقدام والشجاعة" هو الحاكم، ويكون "الأصل عنده نصرة الناس لا مداراة السلطة والحواشي ومراكز النفوذ". وحين تنقلب المعادلة، يقع الخطاب الديني في فخ تبرير الأمر الواقع، بينما يدفع الناس ثمن الظلم والتهميش والحرمان بمفردهم.

في السياق، تفيض الأدبيات الإسلامية بالحث على رفع الكرب وإغاثة الملهوف، حيث يؤكد سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) على استحضار دروس عاشوراء: »مما تعلمناه من الإمام سيد الشهداء أنه إذا كان باستطاعتنا التفريح عن كربة مكروب فلا نتردد في ذلك .. وإن من دروس كربلاء أن نستعمل ألسنتنا ومواقفنا في فعل الخير دائماً ومع الجميع دون استثناء«. فإن الانتصار للناس لا يقتصر على الصدقات المادية، بل يبدأ بـ"اللسان والموقف" والشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها. بالتالي، فإن الامتناع عن نصرة المظلوم ومواجهة الظلم الاجتماعي يجر المؤسسة الدينية إلى مآلات وخيمة حذر منها الإمام محمد الباقر (عليه السلام) بقوله:» ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته، قُضِيَتْ أو لم تُقض، إلّا اُبتلي بالسعي في حاجة فيما يُأثَم عليه ولا يُؤجَر، وما مِنْ عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يُرضي الله إلّا اُبتلي بأن ينفق أضعافها فيما أسخط الله« (بحار الأنوار: ج75 - ص173).

وعلى هذا النحو، فإن التهرب من كلفة الموقف الحق يدفع المنظومة الدينية في نهاية المطاف إلى بذل أضعاف تلك الكلفة في تبرير الانحراف وخدمة توازنات جائرة. بالتالي، فإن "فقه الموقف" ليس ترفاً سياسياً ولا اندفاعاً عاطفياً، بل هو جوهر الفقه الإسلامي حين يتصل بالمسؤولية العامة؛ فالفقه لا يكتمل باستنباط الأحكام النظرية وتفصيل العبادات فحسب، بل بالشهادة للحق في الميادين الكبرى، حيث يصبح اتخاذ الموقف الصريح والواضح في وجه الجور والفساد فريضة شرعية لا تقبل التأويل أو الهروب إلى مساحات الصمت والحياد.

وهكذا، يفرض الواقع المعاصر التوقف أمام الفجوة الهائلة بين أدبيات الزهد ومظاهر التضخم المالي؛ فالزهد الذي تحدث عنه التراث الإسلامي لم يكن مجرد تقشف شخصي، بل تحرراً من قيود المادة لخدمة الحق والالتصاق بطبقة الفقراء. وحين تتلاشى هذه الروح لصالح المصالح الخاصة وحماية الامتيازات ومصالح الحاشية بينما يغرق عموم المجتمع في شظف العيش والبؤس، تفقد المرجعية الدينية صفتها كـ "أب روحي" وتتحول في نظر الأجيال إلى كيان مغلق يدافع عن بقائه المؤسسي.

لقد وضع الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ميثاقاً صارماً للعلماء: »ألا يُقارّوا على كِظّة ظالم، ولا سَغَب مظلوم« (نهج البلاغة: خطبة 3) .. هذا العهد يُسقِط تلقائياً كل حسابات المهادنة، ويلزم المؤسسة الدينية بأن تكون خصماً للفساد والاستبداد وعوناً للمحرومين والمظلومين؛ وفقاً للوصية العلويّة الخالدة للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام): »كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً .. لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّىٰ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ« (نهج البلاغة)، وما رُوي عن الإمام علي زين العابدين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْه» (الصحيفة السجّاديّة: ص166- الدعاء 38).

بموازاة ذلك، العمل الديني والمواقف الصادرة عن المرجعية الدينية ليست فوق التقييم، وهو ما يقرره الإمام الشيرازي الراحل بقوله: «على المرجع الديني أن يعرف صدى أعماله، وانعكاس فتاواه وأقواله وكتبه في المجتمع، فلا يعمل عملاً، ولا يتكلم بكلام، ولا يفتي بفتيا إلا بعد أن ينظر إلى جميع الجوانب، وإلا فربما كان ضرره أكبر من نفعه« (المرجعية الإسلامية: ص59). بالتالي، فإن استماع المؤسسة الدينية للنقد الصادق - من خارج أسوارها - هو السبيل الوحيد لنجاتها من التفرد بالرأي والانقطاع عن نبض الشارع وتحديات الإنسان وتطلعاته، وصولاً الى اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب. في حين أن بقاء المرجعية الدينية في موقعها القيادي والإيماني والأبوي يظل مرهوناً بكسر الصمت، والوقوف مع حقوق الناس وكراماتهم، وقدرتها على أن تكون حصناً للمظلومين، ومرآة لهموم المجتمع، وخصماً قوياً للظالمين؛ فإن الدين/التدين حين يستعاد كضمير أخلاقي حيّ يحمي القيم ويحفظ الأمة، وحين يُختزَل في توازنات النفوذ ومصالح المؤسسة متكيّفاً مع حسابات السلطة، يغدو تشويهاً لجوهر الدين/التدين، وعبئاً على الضمير العام والمصلحة العامة.

-----------------------

مواضيع ذات صلة

* المؤسسة الدينية .. الواقع والتطلعات

* المؤسسة الدينية .. النقد وبقاء المعنى

* المؤسسة الدينية .. الرمزية وتسلل السلطة