
|
زيارة الأربعين .. المجتمع الممكن |
|
|
|
|
|
|
|
|
تكشف زيارة الأربعين أن أزماتنا ليست في غياب القيم، بل في عجزنا عن تحويلها إلى واقع وأسلوب حياة
موقع الإمام الشيرازي 13 / صفر / 1448
كل عام، وعلى امتداد مئات الكيلومترات المؤدية إلى مدينة كربلاء المقدسة، يولد مجتمع مختلف!! مجتمع لا يُعرَّف بالعِرْق أو اللغة أو الطبقة الاجتماعية، ولا تحكمه المصالح الضيقة أو الحسابات الشخصية، بل تقوم علاقاته على قِيَمٍ تبدو، في واقعنا اليومي، وكأنها استثناء نادر؛ وهي قيم المحبة، والتواد، والإيثار، والتعاون، والكرم، والرحمة، والاحترام. يمشي الملايين معاً، ويخدم بعضهم بعضاً دون انتظار مقابل .. يفتح الناس بيوتهم للغرباء، ويتنافسون في البذل أكثر من التنافس في الأخذ، ويشعر الغني والفقير، والمسؤول والعامل، والعربي وغير العربي، بأنهم ينتمون إلى مجتمع واحد تجمعه محبة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتوحده رسالة الإمام الحسين (عليه السلام). وفي هذه الأيام القليلة، تتراجع كثير من الحواجز التي صنعتها السياسة، والمصالح، والطبقية، لتحل محلها رابطة إنسانية وأخلاقية نادرة. ولعل أعظم ما تكشفه زيارة الأربعين أنها تقدم دليلاً عملياً على أن الإنسان ليس أسير أنانيته، وأن المجتمع ليس محكوماً بالفوضى أو الصراع أو تغليب المصلحة الشخصية .. كما تُثبِتْ هذه الزيارة الاستثنائية، بالفعل لا بالشعار، أن الناس قادرون على أن يعيشوا وفق منظومة مختلفة من القيم متى ما آمنوا بها. لكن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعاً: إذا كنا نستطيع أن نبني هذا المجتمع المتراحم على طريق كربلاء، فلماذا نعجز عن بنائه في مدننا قبل أو بعد انتهاء الزيارة؟! ولماذا تتبدد كثير من قيم كربلاء عندما نعود إلى مؤسسات الدولة، والدوائر الحكومية، والأسواق، والجامعات، والشوارع؟! إن المفارقة ليست في زيارة الأربعين، بل في المسافة بين الأربعين والحياة اليومية. فالمجتمع الذي يُطعِم ملايين الزائرين مجاناً، قد يشهد في أماكن أخرى فساداً يلتهم المال العام. والمجتمع الذي يقدم أروع صور الخدمة والتضحية، قد يعاني في مؤسساته من المحسوبية، والرشوة، وضعف القانون. والمجتمع الذي يلتقي فيه الناس بمحبة على طريق الإمام الشهيد، قد يعود بعض أفراده إلى خطاب الكراهية والانقسام بمجرد انتهاء الزيارة. وهنا لا يكون السؤال عن صدق المشاعر، فإن محبة الإمام الحسين (عليه السلام) راسخة في قلوب الملايين، وإنما عن قدرة هذه المشاعر على أن تتحول إلى مشروع دائم لبناء الإنسان والمجتمع والدولة العادلة. لقد لخّص الإمام الشهيد (عليه السلام) هدف نهضته بقوله: »إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي« (مقتل الخوارزمي: ج1 - ص188). ولم يكن الإصلاح الذي أراده موسماً عاطفياً، بل مشروعاً دينياً وأخلاقياً وحضارياً يعيد بناء علاقة الإنسان بربه، وبضميره، وبمجتمعه، وبالناس، وبالدولة التي يعيش فيها. ومن هنا، فإن أكبر خطر يواجه الشعائر الدينية ليس أن يقل عدد المشاركين فيها، وإنما أن تنفصل عن رسالتها القيمية (الدينية والأخلاقية). فحين تتحول الشعيرة إلى غاية بذاتها، وتنفصل عن أثرها في السلوك العام، يبقى الدين حاضراً في المظاهر، لكنه يغيب عن مؤسسات الدولة، وعن الاقتصاد، وعن القضاء، وعن الإدارة، وعن الحياة اليومية. إن زيارة الأربعين لا تحتاج إلى أن تثبت عظمتها؛ فهي أثبتت ذلك منذ زمن بعيد. أما ما يحتاج إلى إثبات فهو قدرتنا على حمل قيم الأربعين معنا بعد أن تنتهي الزيارة. فالطريق إلى كربلاء يكشف أجمل ما في الإنسان، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ في طريق العودة. هناك، في الوظيفة، حين تُعرض الرشوة ويُرفَض قبولها. وفي السوق، حين ينتصر التاجر للنزاهة والمروءة على الربح السريع. وفي المدرسة والجامعة، حين يصبح العلم رسالة لا وسيلة للامتياز. وفي الحسينية والمسجد والحوزة حين يتمسك العلماء بما أمر الله بأن "لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم". وفي مؤسسات الدولة، حين تُقدَّم الكفاءة على الولاء، والقانون على النفوذ، والمصلحة العامة على المكاسب الخاصة. إن الحضارات لا تُبنى بالمشاعر وحدها، مهما كانت صادقة، وإنما تُبنى عندما تتحول القيم إلى ثقافة، والثقافة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى سلوك يومي يحكم حياة الناس. ولعل أعظم رسالة تقدمها زيارة الأربعين للعالم ليست أنها أكبر تجمع ديني سنوي، بل أنها تقدم نموذجاً مصغراً لما يمكن أن يكون عليه المجتمع عندما تتغلب القيم على المصالح، والرحمة على الأنانية، والخدمة على الاستغلال. في السياق، فإن زيارة الأربعين ليست حلماً مستحيلاً، بل تجربة تتكرر كل عام، تثبت أن مجتمعاتنا قادرة على أن تكون أفضل مما هي عليه. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا ونحن نغادر كربلاء ليس: كم مَشَيْنا؟ بل: كم قيمة من قيم كربلاء سنحملها معنا إلى بيوتنا، وأعمالنا، ومؤسسات دولتنا؟ فحين تمتد أخلاق زيارة الأربعين من طريق كربلاء إلى كل طريق في مدننا وأوطاننا؛ وقبلها الى أنفسنا، لن تكون الزيارة قد انتهت، بل ستكون قد بدأت تؤتي ثمارها الطيبة والشافية والمباركة .. ثمارها الحقيقية. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|