زيارة الأربعين .. ملامح العالم الذي نحلم أن نعيش فيه!




زيارة الأربعين شعيرة إيمانية، ومدرسة أخلاقية، وفعالية اجتماعية؛ وهي وسيلة للتقرب إلى الله سبحانه، وتعزيز الشعور بالانتماء الديني، وتوطيد الالتزام القيمي، وتكريس رفض الظلم والفساد والنفاق، وترسيخ روح الألفة والخير والمحبة في المجتمع

 

موقع الإمام الشيرازي

11 / صفر/ 1448هـ

 

 

في مشهدٍ مهيب يتجدد كل عام، تتحول الطرق المؤدية إلى مدينة كربلاء المقدسة - ولا سيما الطريق الممتدة من النجف الأشرف - إلى مدرسة فكرية وأخلاقية كبرى، يتشرب فيها الملايين جوهر الإيمانيات الرفيعة وقيم الإنسانية السامية، حيث تستمد هذه المسيرة؛ الإيمانية المليونية العارمة، جوهرها وإصرارها ومثاليتها من واقعة كربلاء التاريخية (61هـ)، باعتبارها ثورة دينية وإنسانية أرست دعائم الحق والعدالة، والتي جسدت منذ فجرها أسمى مراتب السمو الديني والتضحوي والأخلاقي. وهكذا، فإن السائر/الماشي وسط هذه الحشود يجد نفسه فجأة أمام تجسيدٍ حيّ لـ "مجتمع الأربعين"؛ ذلك النموذج المثالي والعالم الفاضل الذي طالما حلم البشر بالعيش فيه.

يتجلى هذا المجتمع الأربعيني في تآلفٍ مذهل يتسامى فوق الخلافات والمشاحنات اليومية، ليحل محله دستورٌ عفوّي قوامه الحب المتبادل والتسابق على الخدمة؛ حتى بات مشهد المضيف وهو يتوسل الزائر ليقبل ضيافته من طعام وشراب مَعلماً ثابتاً يلخص سيكولوجية هذا النقاء الجماعي. هذا السلام الشامل الذي يطوق المسير التقطته عين المصورة الصحفية البريطانية "إميلي غارثويت" المتخصصة في القضايا الإنسانية، حين اختصرت المشهد بوصفه: "إنها مسيرة سلام... يجب أن تحظى بالأولوية القصوى عالمياً". ولم تكن الصحفية غارثويت استثناءً، إذ تحول هذا الحشد المليوني إلى مادة خصبة ومثيرة لدهشة وإعجاب وسائل الإعلام الغربية. فقد توقف صحفيون ومصورون من أمريكا وأوروبا طويلاً عند ظاهرة فريدة من نوعها: كيف يتحرك ملايين البشر بمختلف جنسياتهم، وثقافاتهم، وأعمارهم في انسجامٍ تام وسكينة مطلقة، دون أن تسجل الطرقات أي توتر أو نزاع؟!

وما زاد من ذهول الإعلام الغربي هو تلك البنية التكافلية الأسطورية؛ حيث تتدفق الخدمات المجانية من طعام وشراب ومأوى على طول مئات الكيلومترات بجهود المتطوعين وأصحاب المواكب. هذا التدفق الإنساني العارم دفع بالعديد من التقارير الصحفية الأجنبية إلى الإقرار بأن الحدث الأربعيني قد تجاوز الأطر الدينية البحتة، ليغدو رحلة إنسانية عالمية عابرة للهويات، ترسم بوضوح ملامح العالم الأنقى والأجمل الذي ننشده جميعاً.

وهذا لا يعني أن خطوات المشي نحو كربلاء وحدها تحقق الغاية من الزيارة الأربعينية، بل لا بد من معرفة حقيقية بالإمام الحسين (عليه السلام) وفكره وقيمه أولاً وأساساً. رُوي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): "أدنى ما يُثاب به زائر الحسين بشط الفرات إذا عرف بحقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (كامل الزيارات: ص263). على هذا، كلما ازداد الزائر معرفة، كلما تعمق تأثره وتأسيه واقتدائه بالإمام الشهيد، في هذه الرحلة المقدسة. لذلك، فإن قراءة سيرة الإمام الشهيد والتعرف على أخلاقه، خلال المسير الى كربلاء، يضاعف أجر الزائر ويرفع منزلته عند الله سبحانه. وهكذا، فإن الزائر العارف بحق الإمام الشهيد سيفوز ببشرى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لزوار الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ورد:

عن عليّ بن ميمون الصّائغ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "يا عليّ، زر الحسين ولا تدعه".

قلت: ما لمن زاره من الثّواب؟

قال (عليه السلام): "مَنْ أتاه ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة حسنة، ومحا عنه سيّئة، وترفع له درجة" (وسائل الشيعة: ج‌14 - ص441).

بالموازاة، سعياً الى التكامل وصولاً الى الصورة الأبهى والمثالية الأسمى لهذه المسيرة الإيمانية، فإنه كما يهتم الزائر بالطهارة الظاهرية من خلال الاغتسال وارتداء الثياب النظيفة والظهور بالمظهر الأحسن والتعطر بالعطر الأطيب، حري بالزائر الاهتمام أكثر وأكثر بطهارة القلب والنفس، يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "طهروا قلوبكم من درن السيئات تضاعف لكم الحسنات" (غرر الحكم: 6021). وقال (عليه السلام): "طهروا أنفسكم من دنس الشهوات تدركوا رفيع الدرجات" (غرر الحكم: 6017). كما يجدر بالزائر على الحفاظ على السكينة والوقار، وتجنب كل ما يسيء إلى قدسية هذه الرحلة المباركة. فإن الزائر/الزائرة أن يتذكر ويستذكر أنه يمثل الإسلام والإمام، في كل لحظة وفي كل خطوة، فينبغي أن يكون خير ممثل للإسلام وخير سفير للإمام.

بالتالي، فإنه في كل خطوة يخطوها في الطريق الى مدينة كربلاء، فإنه اللائق بالزائر/الزائرة أن يكون قدوة في السلوك والأخلاق، فلا يتأخر في مساعدة الضعيف، والعطف على المريض، والرحمة بالصغير، وإكرام الكبير، وألا يقول إلا طيباً، ولا يعمل إلا صالحاً. كما ينبغي بالزائر/الزائرة الابتعاد عن كل ما يخدش الحياء أو يشوه صورة الدين أو يسيء إلى الزيارة المباركة، فإن الزائر/الزائرة لا ينسى وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الى شيعته: "معاشر الشيعة؛ كونوا لنا زيْناً، ولا تكونوا علينا شَيْناً، قولوا للناس حسناَ، واحفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبيح القول" (أمالي الصدوق: ص240).

أيضاً يجدر بالزائر/الزائرة المشي بتؤدة ووقار، ولا يُسْرِع في خطواته، ويجلس عند الأكل، ولا يأكل عند المشي إلا للضرورة. فإن هذه من الآداب التي حث عليها الأئمة (عليهم السلام)، وهي تصب في تربية النفس وتهذيبها وظهورها بالمظهر اللائق، قال الله تعالى: (واقصد في مشيك)(لقمان: 19). وقال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): "سرعة المشي يذهب ببهاء المؤمن" (بحار الأنوار: ج73 – ص302).

أيضاً، يجدر بالزائر/الزائرة الحفاظ على نظافة الطريق، فلا يرمي النفايات أو بقايا الأكل على أطراف الأرصفة والطرقات، إنما يضعها في الأماكن المخصصة، بل يبادر الى رفع ما ألقاه غيره في المكان الخطأ ويضعه في المكان المخصص؛ وهذا لا ينحصر في مدينة كربلاء، بل يشمل جميع القرى والمدن التي يمر الزائر بها .. ولا يخفى أن هذه السلوكيات الطيبة هي أعمال صالحة حث عليها الإسلام، في إطار الاهتمام المطلوب بالنظافة والترتيب والمسؤولية.

مع ذلك، فإن الحشد الحسيني المليوني الذي يتدفق في الزيارة الأربعينية، محولاً المسافات إلى واحة من التكافل والسلام، هو تجسيد حي لـ "مجتمع الأربعين" الذي ننشده. فإنه في هذا الفضاء الإيماني الحسيني، تسقط الفوارق الطبقية، وتذوب الأنانيات، ليحل محلها دستور عفوّي قوامه العطاء المتبادل دون مقابل. وعلى هذا النحو، فإن ملامح هذا العالم الأربعيني المثالي المؤقت تضع الإنسانية أمام مرآة الحقيقة؛ لتثبت أن العيش في عالم أفضل، تسوده المحبة والنظام والنقاء، ليس حُلماً طوباوياً مستحيلاً، بل هو واقع ممكن متى ما تحررت النفوس من قيود مصالحها الضيقة، واهتدت بنور هذه الروحية لتصنع غداً تليق به الحياة.

وهكذا، فإن زيارة الأربعين تشكّل نموذجاً فريداً للمجتمع الإيماني بأرقى وأجمل صوره، حيث التعاون والتكافل والتراحم والتوادّ والتلاحم .. الملايين من مختلف الأعمار والأعراق والألوان يجتمعون في سلام ومحبة، يخدم بعضهم بعضاً دون مقابل، يريدون وجه الله تعالى ورضاه، في مشهد نادر يذهل المراقبين الدوليين .. وهنا يجدر الالتفات بأن زيارة الأربعين دليل على أننا يمكن أن نكون أفضل، وأن تكون بلداننا أفضل، وأن نعيش حياة أفضل.