زيارة الأربعين .. وجوه متعددة للخير




زيارة الأربعين شعيرة إيمانية، ومدرسة أخلاقية، وفعالية اجتماعية؛ وهي وسيلة للتقرب إلى الله سبحانه، وتعزيز الشعور بالانتماء الديني، وتوطيد الالتزام القيمي، وتكريس رفض الظلم والفساد والنفاق، وترسيخ روح الألفة والخير والمحبة في المجتمع

 

 موقع الإمام الشيرازي

10 / صفر/ 1448هـ

 

 

أبرز ملامح زيارة الأربعين هي المسيرة الشعبية الضخمة، في كل تفاصيلها، حيث يسير الملايين على الأقدام متوجهين من مدن عراقية مختلفة، ومن دول مجاورة للعراق، باتجاه مدينة كربلاء المقدسة. المسافة من مدينة النجف الأشرف إلى مدينة كربلاء المقدسة (حوالي 80 كم) هي الطريق الأكثر شهرة في المسيرة الأربعينية الراجلة، وتستغرق عادة يومين إلى ثلاثة أيام سيراً على الأقدام.

الضخامة لا تنحصر بعدد المشاركين "المشاية" وعدد الكيلومترات، فعلى طول طرق زيارة الأربعين التي تمتد مئات الكيلومترات/الأميال، تنتشر آلاف وآلاف مواكب الخدمة التي يقيمها أهالي العراق لتقديم الطعام، والشراب، وأماكن الراحة والإقامة، وحتى الخدمات الطبية مجاناً للزوار. هذه المواكب تعكس روح الكرم والإيثار التي تُستَلْهَم من قيم الإمام الحسين (عليه السلام) وأهله وأصحابه، حيث يتنافس الناس في خدمة الزوار دون تمييز.

وفي كل عام، المسيرة الأربعينية الشعبية تشهد مشاركة من مختلف الجنسيات والقوميات والبلدان، بما في ذلك العراقيين، والخليجيين، واللبنانيين، والإيرانيين، والهنود، والباكستانيين، وغيرهم، حيث يأتي الزوار من أكثر من 60 دولة الى مدينة كربلاء المقدسة. كما يشارك أشخاص من خلفيات غير إسلامية، كالأعزاء المسيحيين والصابئة، مما يعزز الطابع الإنساني العالمي للزيارة. وفي السنوات الأخيرة، قُدرَت أعداد الزوار بما يتراوح بين 18 إلى 22 مليون شخص سنوياً، مما يجعل زيارة الأربعين تجمعاً دينياً لافتاً وباهراً وفريداً على مستوى العالم. وعلى هذا النحو، زيارة الأربعين المليونية والتي تمتد عبر العديد من المدن الكبيرة والصغيرة تتطلب تنظيماً هائلاً؛ بما في ذلك توفير الأمن، والنقل، والخدمات الصحية لضمان سلامة الزوار.

في السياق، زيارة الأربعين تحمل دلالات إيمانية واجتماعية، فهي مناسبة استثنائية للتأمل وتجديد للعهد مع قيم الإمام سيد الشهداء، ومواقف السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام) في واقعة الطف - وهي مواقف كبيرة وجليلة فكان دورها محورياً في إحياء النهضة الحسينية، خاصة من خلال خطبها في الكوفة ودمشق - مما جعل زيارة الأربعين رمزاً وطقساً وشعيرة ترسخ ديمومة واستمرار الرسالة الحسينية التي هي امتداد لرسالة الأنبياء (عليهم السلام)، وامتداد لقيم العدل والخير والفضيلة والرحمة ومكارم الأخلاق، وامتداد لقيم الإنسان والسلام ورفض الظلم، والدفاع عن المظلومين والمقهورين والمحرومين، ومواجهة الاستبداد، سواء كان سياسياً، أو دينياً، أو اجتماعياً.

في الموازاة، مواكب المتطوعين لخدمة ملايين الزوار تعكس جوهر الدين وقيم الكرم والإيثار والتعاون على البر والتقوى، حيث يقدم الأفراد والعائلات والعشائر ما يملكون من طعام ومأوى دون انتظار مقابل، مما يعزز روح المجتمع المتماسك، ويوطد الألفة والمحبة بين الناس. وهكذا، فإن زيارة الأربعين تتجاوز الطابع الديني (الطقوسي والشعائري) لتصبح منصة إنسانية عالمية لنشر قيم الإيمان والعدالة والحرية.، وهي في الوقت نفسه مناسبة عالمية تحث الناس على التمسك بالدين ومكارم الأخلاق، واستهجان الظلم وضرورة مواجهته؛ سواء صدر الظلم من الذات أو الأسرة أو الأقرباء أو المجتمع أو الدولة.

وهكذا، في زيارة أربعينية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) الدينية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية والمليونية والعالمية، يجدر بجميع المشاركين التمسك بتقوى الله، والورع عن محارمه، والمواظبة على القول الطيب والعمل الصالح.

أيضاً:

* يجدر بأصحاب المواكب الحسينية أن تكون أعمالهم وخدماتهم مرآة عاكسة لأخلاق النبي الأكرم (أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك من خلال حرصهم وحفاظهم على الممتلكات العامة والخاصة ورعاية نظافة مواقعهم وعدم الإسراف في الطعام.

* التأكيد على الألفة وحسن المعاشرة والاحترام والمحبة بين الزائرين، وعدم التزاحم والتنافس فيما لا ينبغي، والتعاون بين الجميع لإنجاح هذه الزيارة المباركة.

* التذكر والاستذكار والتذكير بأن التشيع إنما ورع وعمل، رُوى عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: "ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا" (بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج65 – ص164).

في السياق، تحدث سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) لطالبات العلوم الدينية - لافتاً ومحذراً وموجهاً - بالقول: "محبتكنَّ لأهل البيت (عليهم السلام) وإظهارها هو أمر حسن وفاضل، ولكن نيل مقام القرب منهم يتطلب العمل باﻹسلام والالتزام به، وليس إظهار المحبة لهم فقط. وإن إظهار اﻹنسان محبته لأهل البيت (عليهم السلام) - مهما كان مستوى المحبة ـ ليس دليلاً قاطعاً على محبة أهل البيت (عليهم السلام) لذلك الشخص أو أنه يوجب محبة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم، ويؤكده اﻹمام (عجل الله فرجه)، بل إن الامتثال لسيرة أهل البيت (عليهم السلام) والالتزام بها هو الذي يوجب محبة أهل البيت (عليهم السلام) للمؤمن والمؤمنة".