
|
شهادة الإمام الزكيّ المجتبى .. وعي الذكرى وجوهر الاقتداء |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 6 / صفر / 1448
الإمام الزكيّ المجتبى، الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أحد أعظم الشخصيات في تاريخ الإسلام، فهو سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وثاني أئمة أهل البيت (عليهم السلام). ولد في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثالثة للهجرة بالمدينة المنورة، وهو أول أبناء الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء (عليهما السلام). يقول الامام جعفر الصادق (عليه السلام): "كان الحسن أشبه الناس برسول الله خلْقاً وهدياً وسؤدداً" (كشف الغمة: ج2 – ص139). وعن أنس بن مالك قال: "لم يكن أحدٌ أشبه برسول الله مِن الحسن بن علي" (صحيح البخاري. ج2 - ص1281). أيضاً، من حديث ابن سيرين عن أنس قال: "كان الحسن والحسين أشبههم برسول الله" (الإصابة في تمييز الصحابة: ج1 - ص333). وكان رحيل الإمام الحسن (عليه السلام) الى الرفيق الأعلى، شهيداً مسموماً، في السابع من شهر صفر من العام 50هـ، وقد استشهد مسموماً، وقد جيء ببدنه ليدفن عند جده المصطفى (صلى الله عليه وآله)، فقام بنو أمية برشق النعش بالسهام، فنُقِل إلى مقبرة البقيع، فأنزَل الإمامُ الحسين جسدَ أخيه (الحسن) إلى القبر ودفنه بيده. ورُوي أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): أخذ ذات يوم بيد الحسن والحسين فقال: "مَنْ أحبني وأحبّ هذين وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة" (الرياض النضرة في مناقب العشرة: ج2 - ص189 / كنز العمال: ج12 - ص96). وعن الصحابي الجليل سلمان الفارسي المحمدي (رضي الله عنه) قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "الحسن والحسين ابناي، من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبه أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار" (المستدرك على الصحيحين: ج3 ص166 / ينابيع المودة: ص198 / سير أعلام النبلاء: ج4 ص404). كانت حياة الإمام الحسن الزكيّ (عليه السلام) مليئة بالدروس والعبر التي تجمع بين عمق الإيمان وصدقه والواقعية، وبين العبادة والسلوك الاجتماعي العالي والنبيل. وقد ترك لنا تراثاً غنياً من الحكم والمواعظ التي ترشد الأمة إلى طريق الصلاح والتقوى. رُويَ أن معاوية قال للإمام الحسن (عليه السلام): "يا أبا محمد ثلاث خصال ما وجدتُ مَنْ يخبرني عنهن." قال (عليه السلام): "وما هن؟" قال معاوية: "المروة، والكرم، والنجدة" فقال (عليه السلام): "أما المروءة: فإصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، ولين الكفّ، وإفشاء السلام، والتحبب إلى الناس. والكرم: العطية قبل السؤال والتبرع بالمعروف، والإطعام في المحل، ثم النجدة الذب عن الجار، والمحاماة في الكريهة، والصبر عند الشدائد" (تاريخ ابن عساكر: ص166). هذه الكلمات الطيبات تكشف مضامين مفهوم المروءة كصفة شاملة تجمع بين الدين والأخلاق والسلوك الاجتماعي. فإن المروءة ليست مجرد كرم مادي وعلو الهمة، بل هي أيضاً شرف النفس وطيب العشرة والإحسان الى الناس بعنوان الإنسانية، وصولاً الى رضا الله سبحانه. أما الكرم فهو العطاء الذي يسبق السؤال، وهو ما يكشف عن خلق كريم لا يتردد بالعطاء، ونية سامقة لا تنتظر مقابلاً. كان الإمام الحسن (عليه السلام) معروفاً ومشهوراً بكرمه اللافت والمدهش، حتى لُقّب بـ "كريم أهل البيت". يُروى أنه (عليه السلام) كان يعطي كل ما لديه للفقراء والمحتاجين، بل وكان قد قسَّم ماله ثلاث مرات في حياته، فيعطي نصفه للمحتاجين ويحتفظ بالنصف الآخر. أما النجدة فتبدأ من "الذب عن الجار". فإن الشخص الذي يملك النجدة لا يسمح بوقوع الأذى على جاره، بل يحميه، ويصون عرضه، ويحفظ غيبته، ويدافع عن ماله ونفسه كما يدافع عن بيته. "المحاماة في الكريهة" هنا تعني القتال والدفاع والثبات في أوقات الخوف والأزمات والخطوب. الشخص النَجِد هو من يتقدم للدفاع عن الحق في المواقف التي تتطلب تضحية وشجاعة فائقة. أما قوله (عليه السلام) عن أن النجدة تتجسد أيضاً في "الصبر عند الشدائد"، فإن الشجاعة ليست فقط قوة بدنية، بل هي قوة نفسية. وهكذا؛ فإن النجدة تتطلب من صاحبها ألا ينكسر أو يجزع عند وقوع البلاء، بل يتماسك ويثبت، لأن من لا يملك الصبر لن يستطيع حماية جاره ولا الصمود في الكريهة. هنا، يعلمنا الإمام الحسن (عليه السلام) أن الشجاعة الحقيقية ليست فقط في المعارك، بل في الوقوف إلى جانب الضعيف، ونصرة المظلوم، وحماية حقوق الآخرين، والصبر في مواجهة المحن. وقد تجلى هذا في حياته، خصوصاً في هدنته مع معاوية، حيث اختار الصبر والحكمة حفاظاً على دماء المسلمين ووحدتهم. أيضاً، وفي إطار الاستضاءة بحِكَم ومواعظ الإمام الحسن الزكي والمجتبى (عليه السلام)، يقول الإمام الحسن (عليه السلام) التخفيف من هموم الدنيا: "ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه" (بحار الأنوار: ج44 – ص139). هذه الكلمات تكشف عن نظرة متفائلة للحياة، وتدعو إلى التركيز على الحاضر دون الانشغال المفرط بالمستقبل، مما يعزز الطمأنينة في النفس ويُقلل من القلق. يقول (عليه السلام): "العجب ممن يقنط ومعه الاستغفار" (بحار الأنوار: ج90 – ص284). هنا، يدعو الإمام (عليه السلام) الى التفاؤل والأمل، فاليأس والقنوط لا يجلبان سوى الحزن والضيق، بينما الاستغفار مفتاح الفرج والأمل والرزق والخير. في السياق، فإن سيرة الإمام الحسن الزكيّ (عليه السلام) تنير طريق المجتمع والدولة. فقد كان مثالاً للتواضع، حيث كان يجلس مع الفقراء ويأكل معهم، وكان يُحْسِن معاملة الجميع بغض النظر عن مكانتهم. كما أظهر حكمة عظيمة في إدارة الأزمات، خصوصاً في فترة خلافته التي واجه فيها تحديات سياسية وعسكرية كبيرة، فاختار الصلح حفاظاً على الأمة من الفتنة. علاوة على ذلك، كان الإمام الحسن (عليه السلام) نموذجاً للعبادة والتقوى، فقد كان كثير الصيام والقيام، ويحيي الليالي بالدعاء والمناجاة. ومع ذلك، لم يكن منقطعاً عن الناس، بل كان يُشاركهم أفراحهم وأحزانهم، مما يُظهِر التوازن العجيب بين العبادة والتفاعل الاجتماعي، كما يُظهِر جوهره الإنساني الاستثنائي. وهكذا، ينبغي أن تُمثّل ذكرى استشهاد الإمام الحسن الزكيّ المجتبى (عليه السلام) محطة للتفكّر في سيرته ومواقفه ومواعظه. فإن الهدف الأسمى من إحياء هذه الذكرى؛ يتجاوز العاطفة إلى التخلّق بأخلاقه، والاستنارة بعلومه، ليكون هادياً لنا نحو الحق والتقوى والصلاح. وتتجلى القيمة الحقيقية لهذا التأسي في تحويل المعرفة إلى سلوك عملي؛ يقوم على الورع عن محارم الله، ويتمحور حول نفع الناس وإشاعة الخير والسلام والمحبة، وبهذا السلوك يتحقق جوهر الدين، وتتحول محبتنا للإمام (عليه السلام) إلى تدين حقيقي يخدم الدين وأيضاً يخدم الإنسانية. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|