صَفَر كمُحرَّم .. دعوة الى التقوى والإصلاح ونفع الناس




 

 

موقع الإمام الشيرازي

3 / صفر/ 1448

 

 

عبر القرون ومع كل عام، تبرز ذكرى كربلاء منارة تهتدي بها الإنسانية نحو جوهر الدين، حيث الإيمان الحقيقي لا الشكلي، والأخلاق النبيلة السامية، والعمل الصالح النافع للناس. فإن الدين ليس مجرد كلمات تُردّد، ولا العبادة طقوساً تُقام بلا روح، بل الدين هو معرفة تُتَرْجَم إلى فعل، وإيمانٌ ينعكس أخلاقاً، وتضحية تثمر خيراً للبشرية.

كربلاء حدث تاريخي استثنائي، وثورة على كل انحراف أخلاقي أو سياسي أو ديني، فقد ضحى الإمام سيد الشهداء وأصحابه الأفذاذ الأجلاء ليؤكدواً - قولاً وعملاً - إن الدين ليس شكلاً بلا مضمون، ولا طقوساً بلا ضمير، بل هو عدل يُقام، وأخلاق تُحيا، ونصرة للمظلوم، وسعي دؤوب لخدمة الإنسان، فإن خير الناس مَنْ ينفع الناس، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قيل له: أحب أن أكون خير الناس، قال (صلى الله عليه وآله): "خير الناس مَنْ ينفع الناس، فكن نافعاً لهم" (كنز العمال: 44154). وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "خير الناس من تحمل مؤونة الناس" (غرر الحكم: 5001).

وهكذا؛ فإن:

كربلاء عدل، فقد قال الإمام الحسين (عليه السلام): "إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله" (الكافي. الكليني، ج2، ص331). بالتالي، لا يمكن لمن يدّعي حبّ الإمام الشهيد أن يظلم أحداً، أو يسكت عن الظالم أو يجامل الفاسد.

كربلاء أخلاق، فلم يكن الصراع في عاشوراء بين جيشين فحسب، بل بين قيم الرحمة ونزعة القسوة، والكرامة والذل. قال الإمام الشهيد (عليه السلام): " الصدق عِز، والكذب عجز، والسِرُ أمانة، والجِوارُ قَرابة، والمعونة صداقة، والعمل تجربة، والخُلُق الحَسَنُ عبادة، والصمت زَيْن، والشُّحُّ فقر، والسخاء غِنًى، والرِّفقُ لُبٌّ" (كشف الغمة: ج2 – ص29).

كربلاء عمل صالح، فإنما خرج الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) في عاشوراء من أجل خير الناس، بعد أن تسلط الطاغية يزيد على الأمة، عليه، فإن مما تدعو إليه كربلاء الوقوف مع الناس في مواقف الكرب والبلاء بل التضحية من أجل الآخرين. قال (عليه السلام): "إن الله في عون المؤمن ما دام المؤمن في عون أخيه المؤمن، ومَنْ نفَّسَ عن أخيه المؤمن كربة مِنْ كرب الدنيا نفَّسَ الله عنه سبعين كربة من كرب الآخرة" (بحار الأنوار: ج71 – ص312).

وعلى هذا النحو، فإن في حبّ الإمام الشهيد (عليه السلام) عاطفة جياشة لا تنحصر ما يظهر في المجالس والشعائر الحسينية التي تقام على مدار العام، كما أن حب الإمام يعني فيما يعني التزام بأخلاقه (عليه السلام)، وسير على دربه، فإن الإمام (عليه السلام) دين ومبدأ وموقف وثورة ونهضة، وهكذا، يجدر لمن يبكي الحسين على مدار العام.

وهكذا فإن:

المعرفة قبل الحب، فلا يمكن أن تحبّ الإمام كما يجب دون أن تعرف سيرته وأخلاقه. بالتالي، كيف يدّعي أحد حبّ الإمام الشهيد ويخون الأمانة؟ أو يبكي الحسين (عليه السلام) ويخذل مظلوماً أو ينصر ظالماً؟

الاقتداء أولى وأهم، قال الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "ثورة الحسين لم تكن وقتية، بل هي ثورة مستمرة ضد الظلم والضلال". عليه، فإن الحسينيّ الحقيقي هو من يحمل همّ الإصلاح، في كل الأماكن وفي كل الأزمان.

وعلى هذا النحو، مُحرَّم كصَفَر، مناسبة للتأكيد على الوقوف مع نبي الإسلام وأهل بيته الطيبين الطاهرين (عليهم السلام)، من خلال الشعائر الحسينية؛ خاصة زيارة الأربعين. أيضاً، مُحرَّم كصَفَر محطة لمراجعة الذات والقيام بالمسؤوليات:

وهكذا فإن:

التقوى الحقيقية ليست في طول الصلاة وكثرة الصيام وقراءة القرآن الكريم والمواظبة على الدعاء، بل في أمانة السياسي، وصدق رجل الدين، وإخلاص المسؤول، واستقامة التاجر، وعدل القاضي، وإخلاص الطبيب، ونزاهة الموظف، وسمو المعلم، ورحمة الغنيّ بالفقير. قال تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً" (الطلاق: 2).

ويُروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الآية الكريمة: (ولمن خاف مقام ربه جنتان)(الرحمن: 46)، قوله: "ممن علم أن الله يراه، ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى" (مشكاة الأنوار. الطبرسي: ص74).

الإصلاح المجتمعي ينبغي ألا ينحصر بلعن الظالم في التاريخ فحسب فلابد من مواجهة كل ظالم بيننا اليوم! فقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) في خطبته في أصحابه لما نزل به عمر بن سعد ، وأيقن أنهم قاتلوه: "ألا ترون أن الحق لا يُعمَل به، وأن الباطل لا يُتناهي عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً" (تاريخ ابن عساكر: ص314). عليه، ينبغي أن يكون محرَّم وصفر مناسبة لرفض الظلم والفساد أينما كان.

وقال رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله): "خَيْرُ النَّاسِ مَنِ انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ، وشَرُّ النَّاسِ مَنْ تَأَذَّى بِه النَّاسُ، وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ، وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (الاختصاص. الشيخ المفيد: ص243).

نفع الناس، فإن خير الناس من ينفع الناس. فلتكن ذكرى عاشوراء حافزًا متوهجاً على مدار العام لمد العون لمرضى، ومساعدة جوعى ومحرومين، ورعاية أيتام وأرامل، وإغاثة محتاجين، ونصرة مظلومين.

بالتالي، فإن من أهم أهداف الشعائر الحسينية، وخاصة زيارة الأربعين، تحويل العاطفة إلى فعل، والطقوس إلى أخلاق، والكلمات الى مواقف؛

وهكذا، نكون من أتباع الحسين الحقيقيين:

بـ التقوى التي تمنعنا من الظلم،

بـ مكارم الأخلاق التي تجعلنا أقرب الى الله ورسوله وأهل بيته،

بـ العمل الصالح الذي يترك أثراً في الأرض.

في السياق، وكما قال الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء: "ويحكم، يا شيعة آل أبي سفيان! إنْ لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون"، فليكن حبّنا لـ محمد وآل محمد (عليهم الصلاة والسلام):

تحرراً من الأهواء والأطماع،

وإصلاحاً للذات والأسرة والمجتمع،

وبذلاً للخير ونفعاً للناس.

فـ "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد: ١١).

وهكذا، فلتكن كربلاء / زيارة الأربعين بداية التغيير، وخطوة كبيرة نحو الإصلاح، وانطلاقة جادة للانعتاق من التدين الشكلي الى التدين الحقيقي، وتغيير الحال الى حال أحسن أو أحسن حال.