صَفَر كمحرَّم .. إحياء الدين وترسيخ مكارم الأخلاق




مواكبة لانطلاق طلائع زوّار الأربعين نحو ضريح الإمام سيد الشهداء

 

موقع الإمام الشيرازي

1 / صفر / 1448

 

 

تظل عاشوراء نداء عابراً للعصور، يحمل في جوهره دعوة متجددة لإصلاح الذات والمجتمع. فإن كربلاء ثورة ضد الظلم والطغيان والفساد، وكربلاء نهضة من أجل القيم والإنسان، وكانت كربلاء مشروعاً إصلاحياً شاملاً، يستهدف جوهر الدين وروحه الحقيقية التي تكمن في العدالة، والتقوى، والرحمة، والأمانة، ونفع الناس، ونصرة المظلوم، والكرامة الإنسانية.

كربلاء مناسبة للحزن والعزاء، فـ لا يوم كيوم أبي عبد الله، وكربلاء محرّك عميق للضمير الإنساني، ومجال واسع للتفكر والمراجعة والمحاسبة والعمل.. كربلاء لحظة يعلو فيها صوت الحق، وتنكشف فيها بشاعة الباطل، ويتأكد فيها أن الدين ليس طقوساً مفرغة، بل سلوكاً يومياً، وعملاً نافعاً، ورسالة حياة. فإن حبّ الإمام الشهيد لا يتحقق فقط بالبكاء، ولا ذكره اسمه، ولا وضع رايته، فإن تجسيد حب الإمام الشهيد يتحقق بكل ذلك وأيضاً بالتعرف على حِكَمِه وإرشاداته، وسلوكه وأفعاله، والتخلق بأخلاقه كـ  حبّ الخير، ومساعدة الفقراء، ونصرة المظلوم، ورفض الظلم والفساد.

قال سيد الشهداء، الإمام الحسين (عليه السلام): "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أيّها الناس، من كان له على الله أجرٌ فَلْيَقم، فلا يقوم إلا أهلُ المعروف " (بحار الأنوار. المجلسي: ج75 - ص324). فإن أهل المعروف ليسوا أولئك الذين صرخوا دون عمل، أو ذرفوا الدموع دون إصلاح، بل هم الذين ترجموا حبهم لله وأوليائه إلى خيرٍ يُنشر، وظلمٍ يُدفع، وإنسانٍ يُنقذ.

وكربلاء، كما يصفها الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره)، ثورة ضد الجهل والوحشية والضلال، امتدت عبر الزمان، لا تخص فئة دون أخرى، بل تمسّ البشرية جمعاء، فهي نداء "لاستنفاذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة".

يقول (قدس سره): "إن ثورة الإمام الحسين لم تكن وقتية لتموت بعد زمان، وإنما كانت ثورة الحق ضد الباطل، وثورة العدالة ضد الظلم، وثورة الإنسانية ضد الوحشية، وثورة الهداية ضد الضلال، ولذا كان من الضروري امتداد هذه الثورة ما دامت هذه الدنيا باقية، وهذا سر تحريض الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) على الاحتفاء بذكرى عاشوراء طول الدهر".

من هنا، فإن شهري محرّم وصفر يمثلان فرصة ثمينة لمراجعة النفس وتطهيرها، وللعودة إلى جوهر الدين؛ دين الأخلاق والعمل الصالح، لا دين المظاهر والشكليات، دينٌ يجعل من الصدق عبادة، ومن الصمت حكمة، ومن التقوى طريقاً للفوز، كما قال الإمام الحسين (عليه السلام): "أوصيكم بتقوى الله، فإن الله قد ضمن لمن اتقاه، أن يحوله عما يَكره إلى ما يُحب" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج75 - ص121).

وعلى هذا النحو، فإن إحياء ذكرى كربلاء اليوم يعني فيما يعني تأكيد أن مشروع أهل البيت (عليهم السلام) امتداد لرسالة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله)، ويعني أيضاً رفض التخاذل أمام الظلم، ونبذ الخنوع أمام الفساد، والانتصار لقيم العدل، والصدق، والحرية؛ وأن الانتصار لتلك القيم – قيم كربلاء - ينبغي أن يكون في البيت، والشارع، والوظيفة، والسياسة، والاقتصاد، والتعليم، وكل مجالات الحياة.

ولذا، فإن مَنْ يحبّ محمداً وآل محمد (صلوات الله عليهم)، حقّاً، يجدر به أن يسير على خطاهم، وأن يحمل رسالتهم للناس لا بالكلام فقط، بل بالفعل والقول والعمل؛ وأن يواسي المظلوم، ويُعين المريض، ويُطعم الفقير، ويَنهى عن المنكر، ويزرع في الأرض عدلاً، فإنما خرج الإمام الشهيد في يوم عاشوراء المجيد "لطلب الإصلاح".

واليوم، قد بدأت طلائع زوار الأربعين بالمسير نحو ضريح الإمام سيد الشهداء، يجدر بالمؤمنين والمؤمنات جعل شهر صفر، موسماً لتجديد:

عهد التقوى مع الله سبحانه،

وعهد الاقتداء مع سيد الأنبياء وآله (عليهم الصلاة والسلام)،

وعهد العودة إلى الضمير، والارتقاء إلى القيم،

وعهد احترام حقوق الناس وكراماتهم،

وعهد السعي الى نكون الأنفع للناس،

فذلك هو جوهر الدين، ولبّ عاشوراء، وخير ما يُهدى للإمام سيد الشهداء وأهل بيته وصحبه الشهداء.