
|
كربلاء .. نهج وناهج |
|
|
|
|
|
|
|
|
قال الإمام سيد الشهداء (عليه السلام): "أنا قتيل العبرة قتلت مكروباً، وحقيق على الله أن لا يأتيني مكروب إلا رده وقلبه إلى أهله مسروراً" (ثواب الأعمال: ص88)
موقع الإمام الشيرازي 20/ محرَّم الحرام/ 1448
تتعاقب الأعوام والقرون وتبقى كربلاء جرحاً متجدداً وثورة مستمرة؛ لم تكن يوماً مجرد مشهد تاريخي حافل بالتضحيات، بل هي صرخة المدويّة الخالدة للضمير الإنساني ضد الطغيان والظلم والفساد والانحراف. فإن كربلاء ليس مجرد موسم حزن، ولا طقساً عاطفياً تكرارياً، بل تجلٍّ لمبادئ النبوة والإمامة، وقيم الإنسانية والكرامة، التي جهر بها سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) بقوله: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" (بحار الأنوار: ج44 – ص329). إنّ إحياء ذكرى كربلاء هو ممارسة دينية ذات عمق أخلاقي وإنساني، وهو إحياء لا بدافع العادة أو توريث التقليد فحسب، بل لأن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) نفسه بكى حفيده الحسين (عليه السلام) في يوم مولده، ومرات في حياته، كما بكته الأنبياء قبله، وقد أوصى الأمّة بمحبته. روى الخوارزمي باسناده عن ابن عباس قال: "حضرت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) عند وفاته، وهو يجود بنفسه، وقد ضم الحسين الى صدره، وهو يقول: "هذا (الحسين) من اطائب أرومتي، وأبرار عترتي، وخيار ذريتي، لا بارك اللَّه فيمن لم يحفظه من بعدي". قال ابن عباس: ثم أغمي على رسول اللَّه ساعة ثم أفاق. فقال (صلى الله عليه واله): "يا حسين ان لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربي وخصومة وقد طابت نفسي إذ جعلني اللَّه خصماً لمن قاتلك يوم القيامة" (مقتل الامام الحسين للخوارزمي: ج1 – ص 257). مع ذلك، فإن الحزن هنا ليس استسلاماً للضعف ولا رضوخاً للانكسار، بل الحزن العاشورائي موقف يعبر عن نصرة المظلوم، وإعلان رفض الظلم، ومعنى من معاني حفظ الدين وترسيخ مكارم الأخلاق والوفاء للمبادئ والقيم الإنسانية، وتجسيد حي للتأسي بالصالحين والمصلحين والمضحين. على هذا، فإن القيمة الأعلى للاحتفاء بذكرى كربلاء تكمن في ترجمة قيم كربلاء إلى موقف وسلوك ومنهج حياة. فإن استذكار كربلاء ينبغي أن يكون من خلال استعادة روحها الثائرة على الجور، ولقيمها في العدالة والكرامة، لا مجرد اجترار للحدث كتاريخ أو ماضي. يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "يوم عاشوراء هو اليوم الذي يعلمنا كيف نصحح سيرتنا في هذه الحياة، وجعلها مطابقة لسيرة الإمام سيد الشهداء ومنهجه". لذا فإن الحضور في المجالس الحسينية، والمشاركة في الشعائر العشورائية، كزيارة الأربعين، ينبغي أن تكون تفاعلاً مع رسالة سيد الشهداء (عليه السلام)، بالإضافة الى التفاعل مع مأساة ما حدث في يوم عاشوراء؛ فإن الإمام الحسين إنما هو عَبرة وعِبرة، وإنما هو رسالة ومنهج. من هنا، يجدر بالمشاركين في الشعائر الحسينية – كزيارة الأربعين - تجنب المشاركة الشكلية، فإنما إحياء ذكرى الحسين مسؤولية أخلاقية تجاه النفس والمجتمع. فإنه لا معنى للبكاء على الحسين إِنْ تزامن مع الظلم في العمل، ولا معنى للحزن على الحسين إِنْ تزامن مع الفساد في التعامل. فإن عاشوراء تطلب نقاء القلب، كما تطلب الصدق في السلوك، ونصرة المظلوم، والسعي للإصلاح. فكلّ شعيرة تُؤدّى بدون أثر عملي على النية والسلوك، هي تفريط بروح عاشوراء. أما الخطباء والمبلغون، فهم صنّاع الرأي وموجهو الناس في الموسم العاشورائي المبارك، (محرَّم وصفر)، والمأمول منهم أن لا ينشغلوا بالجزئيات على حساب الأهداف الكبرى. فمن واجبهم ترسيخ العقيدة السليمة، ونشر الفقه الصحيح، وتعزيز مكارم الأخلاق، وتذكير الناس بأن أهل البيت (عليهم السلام) لم يكونوا رمزاً للقيم العليا والكرامة الإنسانية فحسب، بل مشروعاً للإصلاح والعدالة. كما ينبغي للخطيب الحسيني أن يُعيد وصل الحاضر بالماضي، لا عبر تمجيد الماضي فقط، بل عبر مقارنته بواقعنا، المنحرف – هنا وهناك - عن قيم العدل والحق والرحمة والأمانة. ينبغي أن يسمع مَنْ يحضر المجالس الحسينية أن الإمام الشهيد ثار على الفساد السياسي والانحراف الديني، وأن رسالته لم تكن محدودة بزمن، بل هي صالحة لكل زمان يُشترى فيه الضمير، وتُباع فيه الكرامة، وتُراق فيه الدماء، ويشوَّه فيها الدين. وهكذا، لا يستقيم إحياء عاشوراء إلا حين ينعكس حزننا على سلوكنا، ويصبح المجلس الحسيني فضاءً لتزكية النفس، ورفع درجة تقوانا، والارتقاء بأخلاقنا، والالتزام بالقول الطيب والمواظبة على العمل الصالح، وحين تكون أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا منسجمة مع القرآن الكريم، ومستَلهَمَة من نهج النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطيبين الطاهرين (عليهم السلام)، فإن هذا الإحياء الكربلائي يغدو باباً للوعي، ومنهجاً للتوبة، وطريقاً للورع، وسبيلاً لنصرة الحق في كل ميدان، ومساراً للتغيير والإصلاح والنهضة، وهذا النوع من الإحياء هو الذي يسر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورضوان من الله أكبر. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|