
|
تغيُّر النِعَم .. استجابة لتغيُّر الفرد أو المجتمع |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 10 / ذو القعدة / 1447
في إطار نهجه التجديدي، قدَّم المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (اعلى الله درجاته) تفسيره الفريد «تقريب القرآن إلى الأذهان»(*) الذي يجمع بين العمق العقائدي والاهتمام بقضايا الإنسان والحياة والعقد/الأزمات الاجتماعية، والتطبيق العملي. وفي تفسيره للآية 53 من سورة الأنفال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، يقدم(قده) قراءة تحليلية متكاملة تكشف عن قانون إلهي عام يربط بين حال الإنسان الداخلي وبين مصيره الخارجي، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. يبدأ الإمام الشيرازي الراحل (1347-1422هـ) بتوضيح أن كلمة «ذلك» تشير إلى العقاب الذي حلَّ بأمم سابقة، ويؤكد أن هذا العقاب ليس اعتباطاً أو ابتلاءً من الله سبحانه بلا استحقاق، بل هو نتيجة منطقية ومباشرة لتغيُّر الإنسان نفسه. فالآية الكريمة تنص على قاعدة إلهية ثابتة؛ وهي أن الله سبحانه وتعالى لا يغيِّر النعمة التي أنعم بها على قوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم. وأن هذا التغيير ليس مصادفة، ولا هو انتقام عشوائي، بل هو سنة كونية تُعبِّر عن عدل إلهي مطلق. ويفسِّر: «ما بأنفسهم» على أنه الحالة الصحيحة الأصلية التي منحها الله للإنسان: الصحة، والرخاء، والأمن، والغنى. وأن هذه النعم ليست مجرد أمور خارجية، بل هي «أحوال لاصقة بأنفس الناس». وقد طلب الله من الإنسان أن يستثمر هذه النعم في طاعته ورضاه. فإذا انحرف الإنسان عن هذا الاستثمار - بتحويل النعم إلى معاصٍ - غيَّر الله تلك النعم إلى نقائضها؛ حيث الصحة إلى مرض، والرخاء إلى ضنك، والأمن إلى اضطراب، والغنى إلى فقر. وهكذا يصبح التغيير الإلهي استجابة عادلة للتغيير الذي أحدثه الإنسان بنفسه. في تفسيره للآية الكريمة، يبين الإمام الشيرازي الراحل أن التفسير لا يقتصر على البعد الروحي المحض، بل يشمل البعد المادي الملموس. فإن التغيير يحدث من خلال آليات طبيعية وقانونية واضحة: * الصحة تنحرف باستعمال المحرمات الضارة. * الرخاء يزول بعدم التعاون والعداء، مما يؤدي إلى تفكك اجتماعي وانخفاض الإنتاج. * الأمن يتحول إلى اضطراب حين ينوي كل إنسان الشر بأخيه. * الغنى يتحول إلى فقر حين يكسل الناس عن العمل أو يمارسون أعمالاً غير مثمرة. بهذا يجعل(قده) التفسير علمياً وعملياً في آنٍ واحد؛ حيث إن السُنّة الإلهية لا تتعارض مع السنن المادية والاجتماعية، بل تتجلى من خلالها. ويؤكد الإمام الشيرازي أن القاعدة لا تقتصر على المؤمنين الذين بدّلوا الإيمان كفراً، بل تشمل مناهج بشرية عامة قرَّرها الله لكل مجتمع. فالظلم والقتل قبيحان، والتعاون والإحسان حسنان. متى سادت هذه المناهج الحسنة في مجتمع - حتى لو لم يكن مجتمعاً مؤمناً بالشريعة كاملة - أفضى ذلك إلى الأمن والرفاه. ومتى غُيِّرَت هذه المناهج إلى الشر، تغيَّرت النعمة. أما بالنسبة لمن بدّل الإيمان كفراً ومناهج الشريعة أهواءً، فالأمر أوضح وأشد. يوضح الإمام الشيرازي الراحل؛ في تفسير الجزء الثاني من الآية: (وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، أن الله يسمع أقوال الناس ويعلم ضمائرهم، ومتى رأى تغييراً في النيات وانحرافاً في الكلمات، غيَّر النعمة. هذا يعني أن الرقابة الإلهية دقيقة وشاملة، تشمل الظاهر والباطن، وأن العقاب ليس تأخيراً أو إهمالاً، بل هو استجابة مباشرة للتغيير الداخلي. بهذه المنهج التفسيري، الإمام الشيرازي الراحل (1928-2001م) يقدم رؤية متكاملة تجمع بين العقيدة والواقع الاجتماعي. فإنه (رحمه الله) يحوِّل الآية من مجرد نص تاريخي يتحدث عن أمم سابقة إلى قانون حي يعمل في كل زمان ومكان. في السياق، فإنه في عصرنا الذي يشهد تغيرات سريعة في القيم والسلوكيات، يذكِّرنا هذا تفسير «تقريب القرآن إلى الأذهان» بأن استقرار الأمم وازدهارها ليس محكوماً بالظروف الخارجية فقط، بل بما يحدث «بأنفسهم». في الوقت أن تغيير النفس نحو الخير هو السبيل الوحيد للحفاظ على النَعَم، وإلا فإن السُنّة الإلهية ستظل قائمة: «إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الأنفال: 53). ---------------------- (*) تفسير «تقريب القرآن إلى الأذهان» يتكون من (3,559 صفحة) تتوزع على خمسة مجلدات، وهو أحد المؤلفات التفسيرية المعاصرة التي تهدف إلى تقديم معاني القرآن الكريم بأسلوب مبسط وواضح يناسب مختلف المستويات الفكرية. يركز هذا التفسير على إيصال المعاني القرآنية إلى ذهن القارئ بأقصر العبارات وأوضحها، مبتعداً عن التعقيدات اللغوية أو المباحث الفلسفية المعقدة التي قد تصعب على غير المتخصصين. منهج المؤلف التفسير بالمزج: يعتمد المؤلف أسلوب "التفسير المزجي"، حيث يدمج شرح الكلمات الغامضة والآيات في سياق النص نفسه، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يقرأ نصاً واحداً مترابطاً. الإيجاز والتركيز: يبتعد عن الإطالة والتشعب في الروايات أو البحوث الفقهية المعمقة، مكتفياً ببيان المعنى الظاهر والمباشر للآية متضمناً التفاتات علمية دقيقة وما يتعلق بها من أحكام. البعد التربوي والاجتماعي: يركز على استخلاص الدروس التربوية والاجتماعية التي تهم المسلم في حياته المعاصرة بأسلوب ميسر. تثبيت العقائد: يهتم بتوضيح الدلائل العقلية والحسية التي وردت في الآيات لتعزيز اليقين العقدي لدى القارئ بعبارات قريبة إلى ذهنه. التفسير يُجمِع الكثير من القراء والنقاد على أن هذا التفسير نجح بالفعل في كسر "حاجز الهيبة" أو الصعوبة الذي يمنع غير المتخصصين من قراءة كتب التفسير، وذلك لعدة أسباب: اللغة العصرية: استبدل المؤلف المصطلحات الصعبة والتركيبات اللغوية القديمة بلغة بسيطة وقريبة من لغة التخاطب اليومية، مما جعله مقبولاً لدى الشباب والمثقفين. الأسلوب المدمج: بدلاً من قراءة آية ثم قراءة صفحات من الشرح، يجد القارئ المعنى ينساب بين الكلمات، مما يسهل عملية المتابعة ولا يقطع حبل أفكاره. تجنب الإطالة: ابتعاد المؤلف عن ذكر الخلافات المذهبية العميقة أو التفاصيل النحوية المعقدة جعل القارئ يشعر بالإنجاز السريع، وهو ما يشجع على الاستمرار في القراءة. التركيز على "اللب": الكتاب موجه لتقديم زبدة المعنى وهدف الآية، مما لاءم عصر السرعة الذي يبحث فيه الناس عن المعلومة المباشرة دون حشو. وهكذا، حوّل الإمام الشيرازي الراحل(قده) التفسير من "علم تخصصي" يحتاج إلى مقدمات طويلة، إلى "ثقافة عامة" متاحة لكل من يقرأ العربية، وهو ما ساعد في إعادة شريحة كبيرة من القراء إلى رحاب القرآن الكريم.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|