
|
الإنسان .. الإيمان والمعرفة وإنجاز التغيير |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 9 / ذو القعدة / 1447
للمرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) اهتمام عميق بقضايا الإنسان المعاصر، لاسيما إنسان المجتمعات العربية والإسلامية، وقد تميزت رؤيته بربط الفكر الديني بالواقع الإنساني، مع التركيز على ضرورة تحويل المعرفة إلى فعل، والإيمان إلى حركة تغيير. تستند رؤيته الى إيمان عميق بإمكانات الإنسان وقدرته على صنع التحولات، شرط أن يُوفَّر له المناخ المناسب، وأن يلتزم بمسؤولياته الفردية والاجتماعية. يؤكد (قده) أن "العالم غير العامل أسوأ من الجاهل"(1)، مؤكداً أن قيمة المعرفة تكمن في تطبيقها: "لا ينفع الإنسان أن يقول إني أعرف الحل إذا لم يفعله"(2). فإن الفهم النظري وحده لا يحقق التقدم ما لم يقترن بالممارسة. كما شدد (قده) على ضرورة الإدراك العميق للأمور قبل التصرف، فيقول: "إذا لم يعرف الإنسان الأمور حق معرفتها لا يتمكن من التصرف فيها"(3). هنا، يربط (قده) بين الفهم الصحيح والفاعلية، ليؤسس لرؤية ترفض الانفصام بين الفكر والممارسة، وتدعو إلى "الحكمة" كأداة للتغيير، كما في قوله: "التقدم لا يحدث من فراغ .. بل بالحكمة والعزم والشجاعة"(4). يبين الإمام الشيرازي الراحل بأن الإنسان "مطوي على أكبر قدر من الطاقات الوثابة"(5)، لكن إطلاق هذه الطاقات يحتاج إلى بيئة داعمة. فإن المجتمعات المتخلفة، برأيه، تُقيّد الفرد وتعيق نموه، مما يستدعي تغييرها: "إذا لم يسمح له مجتمعه بذلك بسبب تخلفه، يجب عليه تغيير ذلك المجتمع"(6). وهنا تبرز ثنائية الفرد والمجتمع؛ فإن الإنسان مسؤول عن استثمار طاقاته، والمجتمع مسؤول عن توفير "المناخ المناسب". كما حذّر من التشتت في الأعمال الهامشية، داعياً إلى التركيز على الأهداف الكبرى، فيقول(قده): "الاشتغال بالتوافه يمنع الوصول إلى الأهداف"(7). لم تقتصر رؤية الإمام الشيرازي الراحل على الفرد، بل امتدت إلى المجتمع الإنساني الأوسع. فقد دعا إلى خدمة الآخرين بغض النظر عن الاختلافات، فيقول(قده): "على الإنسان خدمة الإنسان الآخر، مهما كان لونه وعقيدته واتجاهه والنظام المسيطر عليه"(8). كما نبّه إلى خطر الاحتقار والظن السوء بالآخرين: "من احتَقَر الناس احتُقِر..."(9). وفي هذا السياق، ربط بين العدالة الاجتماعية والدعوة إلى تغيير الأنظمة القمعية، معتبراً أن غلق الأبواب في وجه الإنسان "عقاب لا يُحتمل"(10)، مما يدفع إلى ضرورة حركة تغيير وإصلاح الواقع السلبي/المأزوم. رفض الإمام الشيرازي الراحل فكرة الكمال الفوري، مؤكداً أن الفضائل تُكتَسَب تدريجياً: " لا يكون الإنسان من اليوم الأول عادلاً كاملاً أو زاهداً كاملاً أو شجاعاً كاملاً أو كريماً كاملاً أو عالماً كاملاً وإنما يصل إلى القمة تدريجياً"(11). كما ربط بين الإيمان والعمل الصالح، معتبراً أن الخوف من الله والرجاء فيه هما أساس التوكل، فيقول(قده): "يحيى المؤمن بالخوف والرجاء..."(12). وأكد أن قيمة الإنسان تكمن في روحه، لا في جسده: "قيمة الإنسان ترتبط بروحه ونفسه أولاً"(13)، مشيراً إلى المساءلة الأخروية: "ليتذكر الإنسان أنه رهين عمله"(14). قدَّم الإمام الشيرازي الراحل نصائح عملية لتحقيق النجاح، مثل تجنب التشتت، فيقول(قده): "ليس للإنسان من الوقت ما يكفي ليفرغ جهده في أكثر من مجال"(15)، والاعتماد على النفس: "يصنع العجائب"(16). كما حذّر(قده) من الانسياق وراء ردود الفعل، فيقول: "رد الفعل يسحب الإنسان حيث أراد صاحب الفعل"(17)، داعياً إلى الفعل الاستباقي المدروس. وهكذا؛ تمثل رؤية الإمام الشيرازي للإنسان نسيجاً متكاملاً يجمع بين البعد الإيماني والأخلاقي، والالتزام الاجتماعي، والفاعلية العملية (التغييرية/الإصلاحية)(18). فإن الإنسان عنده ليس كائناً سلبياً، بل فاعل قادر على تغيير نفسه ومجتمعه، شرط أن يحرّر طاقاته، ويتحرر من قيود الجهل والجمود. تقدِّم رؤيته(قده) نموذجاً لإسلام حيوي، يلتزم بالسلام، ويدعو إلى الوحدة الإنسانية، ويجعل من العمل والإخلاص طريقاً للنهوض والارتقاء الفردي والمجتمعي. --------------------- هوامش (1) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 6. (2) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 6. (3) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 21. (4) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 181. (5) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 66. (6) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 118. (7) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 132. (8) الموسوعة الفقهية .. السياسة: ج1 - النسخة الإلكترونية. (9) يقول(قده): "من احتَقَرَ الناس احتُقِر، ومن اتهَمَ الناس اتُهِم، ومن ظن بالناس سوءاً ظنوا به السوء، ومن دخل مدخل السوء تجنبه الناس" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 132). (10) لا .. الحسد: ص 13. (11) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 322. (12) يقول(قده): "يحيى المؤمن بالخوف والرجاء، وهما ركنا الإيمان الصادق الذي يبعث على التوكل على الله والعمل الصالح" (المرجعية الإسلامية: ص 18). (13) الإمام زين العابدين قدوة الصالحين: ص 31. (14) يقول(قده): "ليتذكر الإنسان أنه رهين عمله، وأن أعماله ستعرض في الآخرة أمام الملأ، فما يخبئه الإنسان سيظهر إن آجلاً أو عاجلاً" (المرجعية الإسلامية: ص 18). (15) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 117. (16) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 126. (17) ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص 131. (18) يقول الفقيه الراحل، آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي(قده): "الإنسان -غالباً- في خضم المشاكل يفقد الأمل ويتحول إلى كائن يائس، بينما الإنسان المؤمن يمتلئ قلبه بالرجاء حتى في أعتى الأزمات. هناك أشخاص يتقوقعون على أنفسهم ولا يفكرون في تغيير المجتمع، ولعل هؤلاء الأكثرية، بينما أقلية تفكر في صناعة التغيير. هل التغيير ممكن؟ نعم، بإذن الله، وأدل دليل على إمكانه وقوعه في الواقع، فالمؤمنون الأفذاذ تحركوا في أشد الفترات حرجاً ونجحوا مرات ومرات. علينا أن نقاوم حالة اليأس، فإن لدينا كنوزاً يفتقر إليها الآخرون". |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|