الإمام الشيرازي .. دولة الإنسان لا دولة السلطة




(حضور الفكر بعد الرحيل .. دعوة إلى الإصلاح والتجديد)

 

موقع الإمام الشيرازي

10 / شوال / 1447

 

 

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت 33)

 

يرى المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347 – 1422هـ) أن الدولة تقوم على العدالة وحماية الحقوق الفردية والجماعية. ويؤكد (قدس سره) ضرورة الدولة التي تحكم مع التركيز على أسس احترام كرامة الإنسان وحريته، وحفظ المصلحة العامة ومصلحة الأفراد، وتوفير الحياة الكريمة للمجتمع، وهي أسس دعا إليها الإسلام.

في موازاة ذلك، عارض (قده) أي شكل من أشكال الحكم الاستبدادي أو الفردي، ودعا إلى نظام حكم يقوم على مبدأ الشورى؛ أو الديمقراطية، كأساس لاتخاذ القرارات، مع تأكيده على مشاركة الشعب في إدارة شؤون الدولة.

و دعا (قده) إلى نظام لا مركزي في الحكم، حيث تُمنَح المناطق صلاحيات إدارية واسعة لضمان تمثيل مصالح الناس المحلية وتجنب تركز السلطة. موضحاً أن "الدولة ليست إلا مؤسسة من مؤسسات المجتمع، وإذا ما أرادت الدولة السيطرة على مؤسسات المجتمع، فإنها ستُسْتَهْلَك، وتفقد شيئاً فشيئاً وظيفتها الأساسية" (الاقتصاد بين المشاكل والحلول: ص106).

يرى الإمام الشيرازي الراحل أن الدولة أداة أساسية لإقامة العدل، ونشر مكارم الأخلاق، وحماية المجتمع من الظلم. كما اعتبر الدولة وسيلة لتنظيم الحياة العامة وضمان تلبية الحاجات الأساسية للناس كالأمن، والصحة، والتعليم، ويؤكد (قده) أن "الوظيفة الأساسية للدولة هي الإدارة والمراقبة" (الاقتصاد بين المشاكل والحلول: ص106). مع التأكيد على أن الغاية من الدولة ليست السلطة لذاتها، بل خدمة الإنسان من خلال العدل والحرية والحقوق والكرامة الإنسانية.

شدد الإمام الشيرازي الراحل على أن الدولة العادلة يجب أن تضمن توزيع الثروات بعدل لحماية المجتمع من الفقر والحرمان، عبر آليات مثل الزكاة والخمس والوقف، ومحاربة الاحتكار والفساد المالي. وفي هذا السياق، ربط (قدس سره) الحكم الرشيد بثلاثة عناصر:

الشورى: مشاركة العلماء والخبراء والشعب في صنع القرار.

المساءلة: محاسبة الحكام والمسؤولين وعدم منحهم حصانة مطلقة.

الشفافية: تفادي الغموض في إدارة الشؤون العامة.

حقوق الأقليات: ضرورة احترام حقوق الأقليات، وضمان حرياتهم الدينية والمدنية وفقاً للضوابط الشرعية.

في السياق، يرى الإمام الشيرازي الراحل أن مشكلات المجتمعات الإسلامية تنبع من جذور عميقة تتمثل في محورين رئيسيين: "مشكلة الحكام وحكوماتهم الظالمة، ومشكلة غياب الوعي والثقافة عن الأمة" (عاشوراء والعودة الى الإسلام: ص17). هذا التشخيص يعكس نظرة ثاقبة وشجاعة إلى الواقع السياسي والاجتماعي في العالم الإسلامي، حيث يرى أن الاستبداد السياسي، الذي يعتمد على "قوة السلاح لا آراء الأكثرية" (لماذا تأخر المسلمون: ص94)، يُبْعِد الشعب عن المشاركة في صنع القرار، مما يجعل مصالح الشعب آخر ما يُراعى من قبل الحكام. وفي الوقت ذاته، يُحمِّل (قده) الشعب مسؤولية غياب الوعي، معتبراً أن "أول ما يوجب التخلف هو الفكر المتخلف" (لنبدأ من جديد: ص83)، لأن الإنسان يسير وفق فكره وثقافته.

كما يربط (قده) بين الظلم الاجتماعي والاضطرابات، مؤكداً أن "المجتمع الذي تكثر فيه حالة الظلم، لابد وأن تكثر فيه الاضطرابات". ويرى أن الفقر يشكل "مقدمة للفساد" (آثار الظلم في الدنيا والآخرة: ص25)، وينتج عنه الفوضى، فيما يؤدي انهيار المستوى العلمي الى فقدان الثقافة المنتجة، مما يُدخِل البلاد في دوامة من الجهل. وفي هذا السياق، يشير إلى هجرة المسلمين إلى بلدان الغرب فراراً من التخلف والقمع والخوف والفقر والبطالة والحرمان، وطلباً للحرية والحياة الكريمة والرفاه، معتبراً ذلك دليلاً على عجزهم عن حل أزماتهم في ظل الأوضاع الراهنة.

يؤكد الإمام الشيرازي على أهمية العدالة كأساس استقرار المجتمعات، معتبراً أن المحبة هي روحها النابضة. فـ الحاكم الحقيقي، في نظره، هو من يغزو القلوب بالإحسان، لا بالسلطة، وهي رؤية تعكس إيمانه بأن القوة الحقيقية تكمن في كسب ثقة الناس ومحبتهم، وليس في فرض السيطرة بالقوة. كما يدعو إلى تحمل المسؤولية الكاملة في مواجهة الظلم والانحراف، حاثاً الأفراد على تقويم كل اعوجاج والوقوف ضد كل من ينتهك حرية الناس وحقوقهم وأمنهم.

وفي رؤيته للتقدم والتطور، يفرّق المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928-2001) بين من يتمنى النجاح ويعمل له، ومن يتمنى دون عمل، مؤكداً أن هناك مَنْ يتمنى ويعمل، وفي المقابل هناك مَنْ يتمنى ولا يعمل، فهذا مصيره الفشل والخيبة. هذه الفلسفة تعكس إيمانه بأن التغيير يتطلب جهداً عملياً وهدفاً واضحاً، وأن السير بلا هدف ولا مسؤولية هو مجرد تخبط لا يؤدي إلى نتيجة. وفي هذا السياق، ينتقد الأنظمة التي تبرر إلغاء الحريات بالفوضى، داعياً إلى توازن يحفظ الحرية ويحقق الاستقرار.

وهكذا؛ ليست أزمة الدولة في ضعف مؤسساتها فحسب، بل في انحراف معناها حين تتحول من أداةٍ لخدمة الإنسان إلى وسيلة للهيمنة عليه. وعندها، تفقد العدالة موقعها، وتُختَزَل السياسة في صراع على السلطة لا في رعاية للمجتمع. بالتالي، فإن استعادة الدولة لوظيفتها لا تبدأ من تغيير الهياكل فقط، بل من إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه غايتها الأولى. فإنه حيث تصان الكرامة، وتُحفَظ الحقوق، وتُمارَس الحرية في ظل العدل، هناك تولد الدولة الحقيقية؛ دولة لا تقاس بقوتها، بل بقدرتها على أن تكون للإنسان، لا عليه.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة - 105)

 

تنويه: النص الموجود في الصورة (في أول المقال) غير موجود في متن المقال. مع ذلك، هو نص يعبر عن مضمون المقال.