
|
الإمام الشيرازي .. المرجعيّة الدينيّة بين استعادة الدور وتجديد المعنى |
|
|
|
|
|
|
|
|
(حضور الفكر بعد الرحيل .. دعوة إلى الإصلاح والتجديد)
موقع الإمام الشيرازي 7 / شوال / 1447
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت 33)
في الفكر الشيعي، المرجعية الدينية هي إحدى الركائز الأساسية لقيادة الأمة وهدايتها، وقد أولى المرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347-1422هـ)، المرجعية الدينية اهتماماً ملحوظاً؛ في عدد من كتاباته ومحاضراته، لا سيما في كتاب "المرجعيّة الإسلامية" وكتيب "المَرْجِع والأمة"، حيث قدّم رؤية متكاملة تجمع بين الأصالة الشرعية ومواكبة التغيرات والتطورات. وتتجلّى رؤية الإمام الشيرازي (أعلى الله درجاته) حول المرجعية الدينية في المحاور التالية: (1) المرجعيّة .. مسؤوليات يرى الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) أن على المرجع الديني مسؤوليات جسيمة تشمل: * الهداية الإيمانية عبر التمسك بالتقوى والدعوة لها، وترسيخ القدوة الأخلاقية في المجتمع. * الإصلاح الاجتماعي من خلال مواجهة الانحرافات الأخلاقية والفكرية، ونشر العدل. * التكليف العام من خلال إدارة الشؤون العامة للمسلمين، ونشر الإسلام والسعي الى تطبيقه، والتصدي للظلم والاستبداد، يقول (قده): "المرجع بصفته ممثلاً للأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، الذين أمروا، بالتحفظ على الحقوق، وأمروا بذلك، ولذا قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (وما أمر الله العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم)(نهج البلاغة: ج1- ص36) يكون من أعمالهم، دفع الظالمين، والانتصار للمظلومين" (المرجع والأمة: ص10). يشير (قده) الى أن المرجع الديني وكيل عن الإمام (عليه السلام)، وعليه أن يكون مرآة صادقة لأخلاق الأنبياء (عليهم السلام)، ويؤكد أنه "يجب أن يجعل المرجع حياة الأنبياء والأوصياء أسوة حسنة لحياته، وفي تعامله مع المعتدين والحاسدين، وقد كان الأنبياء على أفضل صور التعامل مع أعدائهم" (المرجعية الإسلامية: ص26). مبيناً أنه يجدر بالمرجع أن رؤيته "تذكِّر الناس بالأنبياء والصالحين، ما ينعكس أثر ذلك بصورة مباشرة في إيمان الناس وعقيدتهم" (المرجعية الإسلامية: ص15). (2) المرجعية .. زهد يرى الإمام الشيرازي أن "الزهد ليس عدم التنعم بالحياة، فقد قال سبحانه وتعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(الأعراف: 32)، بل الزهد هو عدم التعلق بالحياة الدنيا، وعدم انغماس النفس في الشهوات البهيمية، والاحتياط في ارتكاب المشتبهات" (المرجعية الإسلامية: ص15). عليه، يميز (قده) بين الزهد السلبي؛ أو الانعزال عن المجتمع، والزهد الإيجابي الذي يتجلى من خلال: * العيش ببساطة وتجنب الترف، ليكون المرجع قدوة للفقراء. * الانخراط في هموم الناس والسعي الى قضاء حوائجهم، والاستماع إلى انتقاداتهم البناءة. * التكيّف مع التحديات العصرية، وتطوير مناهج الحوزات العلمية. ويوضح (قدس سره) أن الزهد ليس انعزالاً، بل هو تحرر من قيود المادة لخدمة الحق. (3) المرجعيّة .. مؤسساتية يدعو الإمام الشيرازي الراحل (قده) إلى تحويل المرجعية الدينية من هيكل فردي إلى مؤسسة متكاملة تقوم على: * تقسيم المهام عبر إنشاء لجان متخصصة (ثقافية، واجتماعية، وسياسية). * التخطيط الاستراتيجي من خلال وضع خطط خمسية لتطوير التعليم الديني، ونشر الكتب، وإرسال المبلغين. * الشفافية المالية وتتجسد في تنظيم الموارد المالية للمرجعية، وتوزيعها بعدل على المشاريع الخيرية والعلمية. ويحث (قده) على تحويل المرجعية الى مؤسسة قادرة على الاستجابة لحاجات الناس والمتطلبات العامة، ومواجهة التحديات، والتعامل بكفاءة لإنجاز الخطط وتحقيق المكاسب والنجاحات. (4) المرجعيّة .. تحديات يواجه المرجع الديني – في نظر الإمام الشيرازي – تحديات كبرى، مثل: * التحدي الثقافي الذي يستهدف تشويه صورة الإسلام، وليس بالضرورة أن يكون التشويه خارجياً، فقد يكون داخلياً، فهناك من يدعي الإيمان لكنه يفعل الآثام، ويعتدي على الناس باسم الدين. * الانقسامات (الداخلية) بين التيارات والأحزاب والانتماءات الإسلامية؛ وهذه الانقسامات عادة ما تشوه صورة الدين والمتدينين، وتُضعِف الطائفة والأمة. * التناقض الظاهري الذي يظهر عادة من خلال الفتاوى التي قد تبدو متعارضة بسبب اختلاف الظروف. لكنه (قده) يرى في اختلاف الآراء فرصاً لإثبات سعة الفقه الإسلامي ومرونته، وذلك عبر: - الحوار مع الآخر من خلال استخدام المنطق القرآني في الرد على الشبهات. - توحيد الصف عبر تعزيز الأخوّة الإسلامية ونبذ التعصّب المذهبي. - الاجتهاد المتجدد عبر تطوير الفقه ليتناسب مع المستجدات (كقضايا الطب الحديث، والاقتصاد الدولي). (5) المرجعية .. مواكبة ومواجهة تميّز الإمام الشيرازي الراحل وتفرد بمواكبته الواقع؛ بشكل مباشر ويومي، وذلك من خلال الحديث المباشر والمتواصل مع الناس، سواء عبر المحاضرات التي يلقيها الى عموم المؤمنين والمؤمنات، أو عبر اللقاءات الخاصة. في الوقت، إنه كان مواظباً على متابعة يومية للأحداث، من خلال الإذاعات والصحف والمجلات، ومطالعة مكثفة لكتب من شتى أرجاء الفكر. فيما يؤكد (قده) أن نجاح المرجعية الدينية مرهون بصلتها الوثيقة بالناس، وذلك عبر: * الاستجابة لحاجات الناس كالقيام بالدفاع عن المظلومين، ومد يد العون والرحمة للمحرومين والمرضى والأرامل واليتامى، وإنشاء جمعيات لتزويج الشباب. * تعزيز الوعي الجماعي من خلال نشر الثقافة القرآنية، والتعريف بعلوم آل محمد (عليهم السلام). * العدالة الاجتماعية التي تتحقق بمحاربة الفقر والحرمان عبر توزيع الزكاة والخمس والصدقات والتبرعات بحكمة وعدل. ويشير (قده)ً الى أن المرجع الديني الناجح هو مَنْ يجعل الناس يشعرون أنه أب لهم. (6) المرجعية .. رؤية مستقبلية يتطلع الإمام الشيرازي الراحل (قده) الى مرجعية دينية إسلامية عابرة للحدود، تقوم على: * تعريب الدعوة من خلال ترجمة الرسائل العملية الى لغات العالم. * التواصل مع المسلمين في الغرب عبر دعم الجاليات الإسلامية، وحماية هويتهم. * الاستثمار في الإعلام عبر استخدام القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت لنشر الفكر الإسلامي. وهكذا؛ فإن رؤية المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928–2001م) للمرجعية الدينية تقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين العمق الشرعي والواقعية، حيث يرى (قده) أن المرجع الديني الناجح هو مَن يستطيع أن يكون مدافعاً عن الدين دون أن ينفصل عن هموم الناس، وأن يكون قائداً إيمانياً دون أن يفقد مقدرته على قيادة التغيير الاجتماعي. بالتالي، فإن رؤيته للمرجعية الدينية تتلخص بأنها رسالة تُحمَلُ بالقلب قبل العقل، وهي جسر بين الأصالة والمعاصرة، والماضي والمستقبل، وقوة دافعة لنهضة إسلامية شاملة، تعلي شأن الدين، وتكرس التدين، وتدافع عن حقوق الناس، فـ "المرجع إنما يكرِّس حياته للخدمة والإرشاد" (المرجع والأمة: ص23). بالتالي، فإن المرجعية الدينية في عصر الغَيْبَة الكبرى ليست استمراراً تقنياً للفقه، بل تطوراً تاريخياً في وظيفة القيادة الدينية؛ حيث يكون المرجع الديني فقيهاً في النص، وبصيراً في الواقع، ومسؤولاً عن حفظ توازن الأمة في غياب الإمام المعصوم، وبذلك يكون المرجع الديني "أكثر من مجرد فقيه" (*). ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة - 105)
------------------------------ (*) مثلت الغَيْبَة الكبرى (بدأت في 329هـ) للإمام المهدي المنتَظَر (عجل الله فرجه) منعطفاً حاسماً في تاريخ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، إذ انتقلت الأمة لأول مرة من زمن التعيين المباشر، إماماً بعد إمام، ثم نائباً بعد نائب، إلى زمن تتحمل فيه مسؤولية اختيار من يتصدى للقيادة الدينية بوصفه نائباً عاماً عن الإمام الغائب. ولم يكن هذا الانتقال انتقالاً شكلياً، بل تحولاً عميقاً في طبيعة المرجعية الدينية ووظيفتها. يشير الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه (كلمة الإمام المهدي)، إلى أن اجتماع الشيعة على الشيخ المفيد (رحمه الله) لم يكن لأنه فقيه فحسب، فالفقهاء كُثُر، وإنما لأنهم وجدوا فيه «أكثر من مجرد فقيه». لقد مثّل ظهور الشيخ المفيد استجابة واعية لحاجة الأمة في مرحلة الفراغ القيادي التي أعقبت انتهاء الغَيْبَة الصغرى، حيث لم يعد العلم وحده كافياً لتأهيل المرجع الديني، بل أصبح مطلوباً منه أن يكون شخصية جامعة قادرة على القيادة والتوجيه وتحمل تبعات القرار. بالتالي، فإن الغَيْبَة الصغرى (260هـ - 329هـ) كانت مرحلة تهيئة نفسية وعملية، اعتاد فيها المُكَلَّف على طاعة نائب موثوق، أما الغَيْبَة الكبرى فقد أطلقت مسؤولية جديدة تتمثل في تمييز الأصلح من بين غير المعصومين، ضمن معايير تحمي الأمة من خطرين قاتلين: ادعاء الزعامة بغير حق، والانقياد الأعمى للرأي العام المنفلت من الضوابط. بهذا، تتضح معالم المرجع الديني الذي هو «أكثر من فقيه»، كما نظّر لها المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قُدِّس سرُّه). فإن المرجع الديني، في رؤيته، ليس منتجاً للفتوى فحسب، بل قائد يدرك صدى قراراته وانعكاسها في المجتمع، ويحيط بالتطورات من حوله، ويمتلك رؤية معاصرة تمنع انفصال المرجعية الدينية عن الواقع وعن الطبقات المثقفة في الأمة. كما أن المرجع الديني «الأكثر من فقيه» هو صاحب منهج وقواعد كلية تحكم سلوكه في اللحظات الحرجة، فيوازن بين رضا الله سبحانه، ونقاء الدوافع الشخصية، وملاحظة الرأي العام بوصفه نبض الناس، من دون أن يتحول إلى تابع للأهواء أو ضحية للضغوط.
------------------------------ تنويه: النص الموجود في الصورة (في أول المقال) غير موجود في متن المقال. مع ذلك، هو نص يعبر عن مضمون المقال. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|