الإمام الشيرازي .. تدين بلا أخلاق تشويه للإنسان وتزييف للدين




(حضور الفكر بعد الرحيل .. دعوة إلى الإصلاح والتجديد)

 

موقع الإمام الشيرازي

5 / شوال / 1447

 

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت 33)

 

المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347 – 1422هـ) تميز بفكره التجديدي الذي يجمع بين الأصالة الإسلامية وملامسة قضايا العصر في مختلف المجالات. في مجال الأخلاق، قدم (قدس سره) رؤية عن الأخلاق عبر منظومة متكاملة تربط بين العبادة والسلوك الاجتماعي، وتجعل من الأخلاق أساساً لصلاح الفرد والمجتمع. ينطلق الإمام الشيرازي في طرحه من القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث أهل البيت (عليهم السلام)، مع تأكيده على ضرورة تطبيق الأخلاق في الواقع المعاصر كردٍّ على وابل الأزمات التي تكتوي بها الشعوب المسلمة.

يرى الإمام الشيرازي أن الأخلاق ليست مجرد قواعد سلوكية، بل هي "روح العبادة" التي تُكمِّل الإيمان، ويربط بين الشعائر التعبدية (كالصلاة والصوم والحج) وبين غرس القيم الأخلاقية مثل:

* الصلاة على أنها ليست حركات جسدية فحسب، بل هي تدريب على الانضباط والتطهير الروحي، وتذكير دائم بالعدل والرحمة.

* الصوم كوسيلة لترويض النفس وضبط الغرائز وكبح الشهوات، بالإضافة الى تعزيز التعاطف مع الفقراء والشعور بالمحرومين، مما يُنمِّي الفضائل كالعفة والكرم والتعاون والبر والتكافل.

* الحج باعتباره تجمع إيماني يعزز الوحدة ويقوض الفرقة، ويزيح الشحناء ويرسخ المحبة، ويُذكِّر بقيم المساواة والتعاون والتكافل.

ويؤكد (قده) أن الغاية من العبادات هي "إتمام مكارم الأخلاق" وفقاً لما رُويَ عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق" (بحار الأنوار: ج88 - ص182)، مما يجعل الأخلاق محوراً لصلاح الدنيا والآخرة، يقول (قده): "إن الإسلام منذ أن أعلن نبيه العظيم (صلى الله عليه وآله) أنه إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، أبدى شيئاً لم يكن من قبل، وهو الارتباط الوثيق بين الدين والخلق، حتى أن كل شعيرة من شعائر الإسلام متلاحمة مع فضيلة من الفضائل، فلا الدين وحده، ولا الأخلاق وحدها، بل دين وأخلاق. وهكذا؛ فمَنْ لا فضيلة له، لا دين له، وإنْ صلّى وصام وزكّى وحج، ومَنْ لا دين له، لا فضيلة له، وإنْ جاد وأعطى، وواسى ووفى" (الأخلاق الإسلامية: ص6).

وأكد (قده) محذراً أنه "مجرد العلم بالأخلاق دون الاتصاف بها والعمل بها غير مجد ومثالها مثال الجسد بلا روح" (الأخلاق الإسلامية: ص6). أيضاً، شدَّد الإمام الشيرازي على أن الأخلاق هي أساس بناء المجتمع السليم، ويُقسِّم هذا البناء الى مستويات:

الفرد؛ حيث يبدأ التغيير من تهذيب النفس؛ عبر مكافحة الرذائل، مثل الكسل والطمع وحب الظهور، مع التركيز على فضائل الهمة والعزم والقناعة والتواضع.

العائلة؛ البرّ بالوالدين، وحسن معاملة الزوجين والأرحام هي أسس استقرار الأسرة، مما ينعكس على تماسك المجتمع.

المجتمع؛ فيدعو إلى التعاون وإغاثة المحتاجين، ويُحذِّر من آفات اجتماعية مثل الغيبة والنميمة وشهادة الزور والكذب والبهتان، التي تُفكك الروابط الإنسانية، وتطيح بقيم الإيمان.

الأمة؛ يؤكد دور الأخوّة الإيمانية كأساس للوحدة بين المسلمين، مستذكراً قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(الحجرات: 10).

في السياق، يمتاز فكره الأخلاقي بموازنته بين الثوابت الشرعية وملاءمة العصر، ويتبين ذلك من خلال:

* التمسك بالقيم القرآنية؛ كالصدق والأمانة والعدل والعفاف، والتي تُعدُّ حصناً ضد الانحدار الأخلاقي. أيضاً، يدعو الإمام الشيرازي الى ثبات على الأخلاق في كل الأحوال، فيقول (قده): "لا ينبغي إساءة الخلق مع من يسيء الخلق معنا، بل علينا أن نعاملهم بحسن الخلق لكي نرى أثره الطيب عليهم" (الوصايا الأخرى: ص25). ويضيف: "يجب أن يخلو عملنا من العنف ويمتاز بالتفاهم والخلق الرفيع واحترام الرأي الآخر" (عاشوراء والقرآن المهجور: ص25).

* الدعوة الى تطبيق الأخلاق في مواجهة التحديات المعنوية والمادية، والتشبث بالهوية الإسلامية مع مواكبة التغييرات والتحديات والتطورات.

ويُحذِّر (قده) من الانبهار "السلبي" بالحضارات الأخرى، معتبراً أن الإسلام يمتلك رصيداً أخلاقياً يفوق ما تُقدِّمه الحضارات الأخرى، كما جاء في قوله: "لو جمعت كل حِكَم الفلاسفة، لوجدت الإسلام أغناها". فلا بأس من الاستفادة من الآخرين بما لديهم من الأفكار الجيدة والأعمال المثمرة.

أيضاً، يخصِّص الإمام الشيرازي جانباً من كتاباته ومحاضراته لـ "النظافة"، ليس كعادة صحية فحسب، بل كقيمة أخلاقية ودينية، مستنداً إلى الحديث النبوي: "النظافة من الإيمان". ويُفصِّل في: ذلك من خلال نظافة الجسد (كالوضوء والاغتسال) التي تُطهِّر القلب من النفاق، ونظافة البيئة (كإماطة الأذى عن الطريق) التي تعكس احترام المجتمع، ونظافة اللباس والمسكن (كعلامة على تقدير نِعَم الله). وفي هذا السياق، يشير (قده) الى أن النظافة في المسكن والملبس تمنح النفس راحة، وتجعل الفرد مقبولاً في مجتمعه، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويمنع الأذى عن الآخرين (على مستوى الأسرة والمجتمع. في الوقت أن نظافة الملبس والمسكن مسؤولية تجاه الجسد وتجاه المجتمع، للوقاية من الأمراض وتهيئة جو صالح للعيش والعبادة والعبادة.

وهكذا؛ فإن المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928–2001م) يؤكد أن أزمة المسلمين اليوم ليست بسبب الإسلام، بل بسبب ابتعادهم عن أخلاق الإسلام. ويطرح الحل في العودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث أهل البيت (عليهم السلام)، معتبراً أن الأخلاق هي الوسيلة الأجدى لحل المشاكل والأزمات، والقوة الأوفى لمواجهة التحديات وتجاوز الأخطار، والقدرة الأجزل لتحقيق النجاحات والطموحات، وفي ذلك خدمة للدين، ومن أجل كرامة الإنسان ورفاهه، وتحقيقاً لاستقرار البلاد وازدهارها.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة - 105)