الإمام الشيرازي .. خمسة وعشرون عاماً على الرحيل




(حضور الفكر بعد الرحيل .. دعوة إلى الإصلاح والتجديد)

 

موقع الإمام الشيرازي

2 / شوال / 1447هـ

 

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت 33)

 

في هذا اليوم، الثاني من شوال، تمر الذكرى السنوية لرحيل علم شامخ من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347-1422هـ/ 1928-2001م)، العالم المهيب والفقيه المتضلع الذي أضاء بفكره ومواقفه دروب الطائفة والأمة، تاركاً إرثاً كريماً من القيم والمبادئ التي لا تزال تلهم الأجيال.

خمس وعشرون سنة على رحيله، وحضوره الإيماني والفكري ما زال يتردد في أروقة الإصلاح الديني والسياسي. رجل جمع بين العلم الغزير والعمل الدؤوب، حتى أفنى حياته في خدمة الدين وقيم العدل والخير والإنسانية، داعياً إلى الحرية بكل معانيها السامية، وناشراً للسلام كنهج حياة، ومؤسساً للفضيلة كأساس للتعامل بين البشر.

وُلِدَ آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي، في مدينة النجف الأشرف، في بيت علم وتقوى، ونشأ في كنف أسرة عريقة أنجبت علماء كبار نجباء ومراجع دين وموقف. منذ نعومة أظفاره، أظهر نبوغاً فكرياً وتوجهاً تغييرياً طموحاً، فبدأ يدعو إلى تجديد الفكر الديني وإصلاح المجتمعات الإسلامية. لم يكن همّه مقتصراً على التأصيل الفقهي فحسب، بل امتد إلى وضع رؤية شاملة لبناء دولة إنسانية تقوم على العدل والحرية والكرامة.

كان (قدس سره) صوتاً هادراً ضد الظلم والقمع، حيث واجه الاستبداد السياسي وكذلك الاستبداد الديني بمواقف حكيمة وشجاعة نادرة. حذّر من مخاطر الطغيان الذي يرتدي ثوب الدين، ودعا إلى فصل السلطة الدينية عن الاستبداد، مؤكداً أن الدين الحق هو دين الرحمة والعدل والحرية، لا أداة للسيطرة والقهر. وفي الوقت نفسه، حثّ على نبذ العنف وتجنب الحروب، معتبراً أن السلام هو السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والتقدم.

لم تكن دعوة الإمام الشيرازي محصورة في دائرة ضيقة، بل كانت رؤية عالمية تجمع بين الأصالة الإسلامية والانفتاح على العصر. شجع على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، ودعا إلى التواصل مع الأمم والدول والحضارات المتقدمة، ليس من منطلق التبعية، بل من أجل بناء جسور التعاون والتفاعل الحضاري. كان يرى أن الإسلام الحقيقي هو دين الإنسانية، وأن الهدف الأسمى هو تحقيق دولة الإنسان التي تكون فيها الحكومة خادمة للشعب، لا قامعة له ولا سيدة عليه.

كتب الإمام الشيرازي الراحل مئات المؤلفات التي تناولت الفقه والأخلاق والتاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع، وكان له دور بارز في إحياء التراث الإسلامي وتجديده وإيصاله الى الناس بلغة واضحة وسلسة. من أبرز أفكاره دعوته إلى إصلاح التعليم الديني، وتطوير المناهج لتكون أكثر شمولية وملاءمة لمتطلبات العصر، مع الحفاظ على الجوهر الأصيل للدين.

رحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في مدينة قم المقدسة، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً وعملياً يتمثل في تلامذته وأتباعه الذين يواصلون نشر رسالته حول العالم. لقد كان رحيله خسارة كبيرة، لكنه لم يكن نهاية الطريق، بل بداية لمسيرة جديدة تحمل أفكاره ومبادئه إلى الأجيال القادمة.

الساعون والحالمون بالتغيير والإصلاح مدينون لهذا العلم السامق والعالم الجليل والفقيه الجهبذ بما قدمه من عطاء ثر وفخم وجليل. وفي الذكرى السنوية، حريٌ بالمقلدين والمحبين والمصلحين وسائر المؤمنين التمسك بنهجه الإصلاحي، والعمل على تحقيق رؤيته في بناء مجتمعات تسودها الحرية والعدالة والسلام.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة - 105)