بداية الظلم وانحراف الدولة




 

 

موقع الإمام الشيرازي

27/شهر رمضان/1447

 

 

في التاريخ الإسلامي بل والتاريخ الإنساني، يُعَدّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) رمزاً بارزاً للمساواة والعدالة حيث تجلّت هذه القيم في أقواله وأفعاله وسياسته خلال خلافته (35- 40هـ / 656-661م). فإن الإمام أمير المؤمنين كان يرى أن المساواة منهج حياة يقوم على احترام الإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو وضعه الاجتماعي، وهو ما عكسته مواقفه وإدارته للدولة الإسلامية التي امتدت أطرافها من الحجاز إلى العراق وما وراءهما.

في فكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، المساواة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعدل، فهو القائل: "الناس كالشجر، شرابه واحد وثمره مختلف" (غرر الحكم: 1882)، وقال: "الناس إلى آدم شرع سواء" (بحار الأنوار. ج1 – ص82)، أي سواء في النسب وكلهم ولد آدم. هذه الكلمات تختصر رؤية الإمام للمجتمع الذي لا يميز بين غني وفقير أو قوي وضعيف. وقد تجسّد هذا المبدأ في تعامله مع الناس، سواء في حياته الشخصية أو في قيادته للأمة. فعلى سبيل المثال، عندما تولّى الخلافة، رفض أن يأخذ من بيت المال أكثر مما يأخذه أفقر الناس، بل عاش حياة زاهدة تتساوى مع حياة عامة الشعب، مؤكداً أن القائد لا يعلو على رعيته أو على حساب رعيته.

من أبرز مظاهر تمسك الإمام بالمساواة، سياسته في توزيع بيت المال. فقد أصرّ على توزيع الأموال بالتساوي بين المسلمين دون تفضيل قبيلة أو أسرة أو طبقة، وهو ما أثار استياء بعض النخب التي اعتادت على الامتيازات في عهود سابقة. كما عُرِف عنه أنه كان يرعى الفقراء واليتامى بنفسه، ويحرص على القضاء على الفقر في دولته، حتى قيل إنه لم يكن هناك فقير في عهده، وفق ما أجمع عليه المؤرخون، وهذا يعكس مدى اهتمامه بتحقيق العدالة الاجتماعية.

لم تقتصر رؤية الإمام (عليه السلام) للمساواة على المسلمين فقط، بل امتدت لتشمل أهل الذمة (غير المسلمين الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية). ففي إحدى الروايات، عندما رأى شيخاً مسيحياً يتسوّل، قال: "استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال" (وسائل الشيعة: ج15 - ص66)، ثم أمر بصرف راتب له من بيت المال، مؤكداً أن الدولة مسؤولة عن كل فرد فيها بغض النظر عن دينه.

إنّ المتأمل في خطب وكلمات الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يلحظ أنّ مبدأ المساواة لم يكن عنده مجرد قيمة أخلاقية تُذكَر في سياق الوعظ، بل كان قاعدة بنيوية يقوم عليها الحكم الصالح. فقد نظر إلى الدولة بوصفها ميزاناً للحقوق، لا أداة للامتيازات؛ لذلك شدّد (عليه السلام) على صون كرامة الإنسان، واحترام الحقوق، ورفض الظلم بأشكاله كافة، محذّراً من أن الانحراف عن العدل ليس خطأً أخلاقياً فحسب، بل بداية تصدّع الدولة وتفكك المجتمع. فإن العدل في رؤيته هو العمود الذي تنتظم حوله السياسة، وهو الشرط الذي يحفظ وحدة الجماعة واستقرارها.

ومن هنا تجلّت شخصيته القيادية بوصفها نموذجاً فريداً ونادراً يجمع بين العدل والحكمة والرحمة والأمانة والمساواة؛ إذ لم يكن العدل عنده شعاراً يُرفَع، بل ممارسة تُجسَّد في إدارة المال العام، وفي التعامل مع الرعية، وفي الوقوف على مسافة واحدة من الناس جميعاً. ولهذا ظلّ حضوره (عليه السلام) في التاريخ مثالاً حيّاً للقائد الذي تتطابق فيه القيم مع الممارسة، والمبادئ مع الواقع.

ومع ذلك، يبقى التناقض المؤلم بين المثال والواقع قائماً؛ فكم في تراثه من دروس تهدي إلى طريق الدولة العادلة، وكم في واقعنا من أنظمة انحرفت عن ذلك الميزان. ولعلّ أصدق ما يختصر هذه المفارقة المريرة تلك العبارة التي تردّد صداها عبر العصور: "ما أكثر العِبَر وأقلَّ الاعتبار" (نهج البلاغة: حِكَم أمير المؤمنين 297). فإن في كلمات الإمام أمير المؤمنين ميراث أخلاقي وسياسي عظيم، لكنّ واقع دولنا ومجتمعاتنا ما يزال شاهداً على أن الاستفادة من هذا الميراث أقل بكثير من حجم العبر الكامنة فيه.