
|
جمال الإنسان وكماله .. المعيار والمنهج |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 26/ شهر رمضان/1447
"الجمال في اللسان والكمال في العقل" (تحف العقول: ص457). مقولة موجزة وعميقة للإمام محمد الجواد (عليه السلام)، تختصر رؤية متكاملة في الأخلاق والوعي، وتعيد ترتيب أولويات الإنسان في فهم معنى الجمال الحقيقي والكمال المنشود. بين المظهر والجوهر لطالما خُدِعَ الإنسان بمظاهر الجمال، فربط الجمال بالشكل واللون والمظهر الخارجي. غير أن الإمام الجواد – كامتداد لنور الحكمة المحمدية – يعيد توجيه البوصلة إلى ما هو أعمق من الشكل، ليقول لنا إن الجمال الحقيقي يُرى في اللسان، أي في الكلمة، والنطق، والحديث، والتواصل. أما الكمال، فلا يتحقق إلا في العقل، بما هو مركز الوعي، والتدبير، والتمييز بين الخير والشر. في هذا القول، تتجلى رؤية إنسانية سامقة ترى أن الجمال لا يُقاس بالعين بل يُتَذَوَّق بالأذن والعقل. فإن الكلمة الصادقة، والمؤنسة، والمهذبة، والرحيمة، والودودة هي الجمال الذي يفتح القلوب، ويصنع العلاقات، ويغرس المحبة. أما العقل، فهو مصدر الكمال لأنه الذي يمنح الإنسان القدرة على ضبط ميوله، وتوجيه سلوكه، وتقدير عواقب أفعاله. يرتبط اللسان في التراث الإنساني عامة، وفي الإسلام خصوصاً، بمسؤولية كبرى. فإن الكلمة قد تكون مفتاحاً للجنّة أو سبباً للهلاك. فإن اللسان المهذب، والليِّن، والصادق، يُعَدّ من أجمل ما يتحلى به الإنسان. وقد قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): "الكلمة الطيبة صدقة" (وسائل الشيعة: ج5 – ص233). الجمال الذي يشير إليه الإمام الجواد (عليه السلام) هنا، هو جمال تأثير اللسان في الآخرين. فإن مَنْ لا يحسن الكلام، ولا يزن حديثه، وإن كان جميل الوجه، يظل ناقص الجمال. والعكس صحيح؛ فإن مَنْ كان حديثه عذباً، وبيانه صادقاً، ولسانه طيباً، يحظى بجمال معنوي يتجاوز حدود الشكل. العقل .. مسؤولية كبرى في نظر الإمام الجواد (عليه السلام) فإن معيار اكتمال الإنسان لا يقاس بما يملك من جسد قوي، أو مال وفير، أو سلطة نافذة، بل بما يبلغه عقله من نضج وبصيرة. وهنا، يرتبط الكمال بالسلوك، لا بالمظهر؛ ويرتبط بالفهم لا بالحفظ؛ ويرتبط بالحكمة لا بمجرد الذكاء المجرد. فإن الجاهل قد يتكلم كثيراً، لكن الكامل عقلاً يزن كلماته قبل أن ينطق بها، ويعرف متى يصمت. وفي عصر الصورة والصوت السريع، حيث تقاس القيم أحياناً بعدد المتابعين والظهور، يعيدنا قول الإمام الجواد إلى القيم الثابتة: أن الجمال الحقيقي هو في الكلمة التي تزرع نوراً في القلب، وأن الكمال هو في عقل من لا يُخدَع ولا يغريه الزيف. وفي زمن تسوده الضوضاء، يصبح للكلمة الطيبة والعقل الرشيد أثر استثنائي. ولهذا، فإننا بحاجة إلى أن نعيد تشكيل وعينا وفق هذا الميزان، وهو لسان جميل لا يجرح، وعقل كامل لا يُضَل. أيضاً، وفقاً لقول الإمام محمد الجواد (عليه السلام): "الكمال في العقل"، فإن العقل في هذا المنظور ليس مجرد أداة للتفكير، بل هو جوهر إنسانية الإنسان، والمقياس الحقيقي الذي تتفاضل به العقول والطبائع بين البشر. ذلك أن العقل هو منبع الحكمة التي تهدي السلوك، وأساس العدل الذي يضبط العلاقات بين الناس، والأداة التي بها يفهم الإنسان نفسه والعالم من حوله. ومن هنا، فإن الكمال العقلي لا يعني وفرة المعرفة فحسب، بل يعني القدرة على وزن الأمور بميزان الحكمة، وضبط الانفعالات، وإصدار الأحكام بإنصاف، والنظر إلى الحياة بعين متزنة تجمع بين البصيرة والاعتدال. وعندما يرتقي العقل إلى هذا المستوى من النضج، يتحول الإنسان إلى كائن راشد بحق؛ قادراً على اتخاذ القرار السليم، وعلى التمييز بين ما ينفع وما يضر، بين العدل والهوى، وبين المصلحة العامة والمصلحة الضيقة. ولا يقف أثر العقل عند حدود الفرد، بل يمتد إلى المجال العام أيضاً. فإن العقل الراشد هو الذي يقود المجتمعات إلى الاستقرار، ويوجه الحكومات نحو بناء دولة تقوم على العدل والنظام والتنمية والرفاه. وعلى العكس من ذلك، فإن غياب العقل أو تهميشه يفتح الباب للفوضى وسوء التقدير وتغليب الأهواء، فتتعثر مسيرة الدولة وتضيع مصالح الناس. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|