الوصيّة العَلَويَّة الأخيرة .. منهج حياة وفلسفة حُكْم




 

 

موقع الإمام الشيرازي

20/شهر رمضان/1447

 

 

في اللحظات الأخيرة من حياة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بعد أن أصابه ابن ملجم بالسيف غدراً، وهو على فراش الموت، ترك وصية (*) تعد منارة أخلاقية وإنسانية. وهذه الوصية، الموجهة إلى ولديه، الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، لم تكن مجرد نصائح أبوية، بل برنامجاً حياً لإدارة المجتمع وفق قيم العدل والتقوى.

تبدأ الوصية بتأكيد قيمة التقوى كأساس للفرد والمجتمع: «أوصيكما بتقوى الله»، وهي دعوة لترسيخ مراقبة الله في كل فعل، مما يحد من الفساد والانحراف. ثم يربط الإمام (عليه السلام) بين التقوى ورفض التعلق بالدنيا، قائلاً: «ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما»، أي لا تطلبا الدنيا وإنْ طلبتكما، بالتالي جدير بالمؤمن ألا يستغرق بطلب الجاه والمال والمنصب على حساب القيم الإيمانية والمبادئ الإنسانية. في السياق، فإن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير الى أن السلطة يجب أن تكون وسيلة لخدمة الناس، لا أداة للقهر والتسلط، ولا ذريعة للظلم والفساد، ولا غاية للجشع والاستبداد.

في الوصية العَلَويَّة، العدالة الاجتماعية تشكِل محوراً آخر: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً»، وهي قاعدة تلزم الحاكم بمحاربة الظلم بكافة أشكاله. كما يوصي الإمام (عليه السلام) بالاهتمام بالفئات الهشة: «الله الله في الأيتام! فلا تغبوا أفواههم»، مما يعكس رؤية تنموية تعطي الأولوية للضعفاء. أما الوحدة المجتمعية، فيؤكد عليها بقوله: «نظم أمركم وصلاح ذات بينكم»، مقدماً إياها كأفضل من العبادات الفردية، وفقاً لحديث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي يذكره: «صلاح ذات البَيْن أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام». وفي الجانب الأمني، يرفض العنف الانتقامي: «لا تمثّلوا بالرجل»، ليرسي مبدأً أخلاقياً حتى مع الأعداء.

بالتالي، الوصية تلخص فلسفة للحكم تقوم على ثلاثة أركان:

*  أخلاقيات السلطة (التقوى، العدل).

*  العدالة الاجتماعية (رعاية الضعفاء، الأمر بالمعروف).

*  الحفاظ على النسيج المجتمعي (الوحدة، الحوار).

بالموازاة، تشهد معظم الدول الإسلامية أزمات مزمنة في الفساد السياسي والمالي، حيث تُختَزَل السلطة في خدمة أصحاب السلطة والحكم والجاه والنفوذ، بينما يعاني المواطنون من أزمات الواقع وتحديات الحياة. وهنا تبرز وصية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كدافع لنقد هذا الواقع:

*  الفساد وغياب التقوى: حين يصبح الوصول إلى السلطة غاية لتراكم الثروات، كما في قوله: «ولا تبغيا الدنيا»، يصبح الفساد نظاماً مؤسَسَاً.

*  غياب العدالة: تذكرنا كلمة «كونا للظالم خصماً» بواقع الأنظمة القمعية التي تُسْكِت الأصوات المعارِضة، وتهمش مطالب الشعوب.

*  إهمال الضعفاء: يقاس تقدم الأمم برعاية الأيتام والفقراء، لكن الواقع يكشف عن تفشي البطالة وانهيار منظومة الرعاية الاجتماعية، خلافاً لتوجيهات الوصية.

*  التفرقة المجتمعية: يحذر الإمام من «التدابر والتقاطع»، بينما تعاني مجتمعاتنا من انقسامات طائفية وسياسية تفتت الوحدة.

وهكذا؛ واستجابة فاعلة لواقعنا المأزوم ينبغي:

*  إعادة بناء أنظمة الحكم على أساس النزاهة والشفافية ومحاسبة الفاسدين.

*  تفعيل مؤسسات المجتمع المدني لدعم المظلومين ومراقبة السلطة.

*  تبني سياسات تعليمية وصحية تُحوَِّل شعارات العدالة إلى واقع ملموس.

أيضاً، هذه الوصية العلوية تؤكد أن الرسالة العامة أو المنهج العام للإمام أمير المؤمنين يتجاوز الحدود الدينية إلى الإنسانية الكونية. بالتالي، فإن الفهم السليم/العملي للنصوص الدينية، من خلال هذه الوصيّة العلويّة المباركة، والتفاعل المطلوب مع مضامينها يتحقق من خلال:

 القراءة السياقية: فهم الظروف التاريخية التي قيلت فيها، دون إسقاطها حرفياً على الواقع.

*  الاستنباط القيمي: استخلاص المبادئ الكلية كـ (العدل، والحرية، والرحمة، والنزاهة) وتطبيقها على قضايا العصر، مثل حقوق الإنسان، والعدالة، والحكم الرشيد.

*  الحوار مع الآخر: كما في مقولة الإمام (عليه السلام)، ينبغي أن تُستَثمَر النصوص الدينية في بناء جسور مع الآخر في المجتمع، وكذلك الحوار مع الأديان والثقافات والحضارات الأخرى، بدلاً من تحويلها إلى ثقافة كراهية وإقصاء ومقاطعة وأدوات صراع ومواجهة.

وهكذا، فإن وصية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) منهج حي لمجتمعات تبحث عن خلاصها من الأزمات، وإن تحويل هذه الوصية إلى سياسات عملية يتطلب إرادة سياسية ومجتمعية تعيد الأولوية إلى القيم بدلاً من المصالح الضيقة. وكما قال الإمام (عليه السلام) في وصيته الأخيرة: «لا تتركوا الأمر بالمعروف... ثم تدعون فلا يُستجاب لكم» – فإن السكوت عن الفساد يضيِّع الحقوق، ويطيح بالكرامة الإنسانية، ويقوض الحريات، ويغري الطغاة والفاسدين بالاستمرار.

------------------------------------------------

(*) عديدة المصادر الحديثية والتاريخية التي ذكرت هذه الوصيّة، مع بعض الاختلافات بين مصدر وآخر، مع ذلك، فإن أهم المصادر هي: (1) الكافي للشيخ الكليني (فروع الكافي ج 7 - ص52-53). (2) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ج 4 - ص 140-142).