بين الحاضر والتاريخ .. من ذاكرة الحرية إلى صناعة المعنى




 

 

موقع الإمام الشيرازي

18/شهر رمضان/1447

 

 

ليس التاريخ زمناً منقضياً نقف على أطلاله، بل هو التيار الخفي الذي يسري في شرايين حاضرنا. لسنا كائناتٍ تعيش في الأيام كما تعيش في البيوت؛ بل نحن الأيام في صيرورتها، نحن السرد الذي يكتب ذاته ويمحوها ليعيد تشكيلها بوعيٍ أعمق. من هنا، لا يكون التاريخ خلفنا، بل فينا.

غير أن النظر إلى التاريخ بوصفه عبئاً أو قيداً هو أقرب إلى سوء فهم لدوره. فإن التاريخ، في جوهره، ذاكرة الحرية لا سجنها. كما أن التاريخ هو المرآة التي نرى فيها وجوهنا متجسدة في ملامح من سبقونا، لا لنكررهم، بل لنعي أن ما ورثناه ليس أغلالاً، بل إمكانات. في الوقت أن مَنْ يجهل قصته الأولى، كما يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده)، يعجز عن فهم حاضره؛ لأن «ما يجده الإنسان الآن في الحال الحاضر ليس وليد نفسه، وإنما التاريخ الطويل له مدخلية في تكوينه» (1). فإن النتائج لا تُفهَم بلا أسباب، والمعلولات لا تُعالَج بلا معرفة عللها.

إن دراسة التاريخ، في منظور الشيرازي، ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة فكرية وعملية. «يبتني الفكر القيم على أسس ومقومات، منها دراسة التاريخ ومواصلة التدبر والتفكير المستمر وبنظرة تحليلية» (2). فإن التاريخ ليس مخزون حكايات، بل شبكة علل ومعان؛ ومن دون تحليل معتدل، بعيد عن الإفراط والتفريط، يتحول إلى مادة للانطباعات السطحية أو الفلسفات الخيالية التي تبعدنا عن الواقع بدلاً من أن تمكننا من التأثير فيه.

لكن الوجود الحقيقي لا يبدأ عند حدود الفهم، بل عند لحظة كسر سبات التكرار. فإن الإنسان الذي يكتفي بإعادة إنتاج الماضي، هو كائن انسحب من الحياة قبل أوان رحيله. إن جمال الإنسان يكمن في نقصه، في كونه غير مكتمل، في قلقه المبدع الذي يدفعه إلى تحويل الماضي من ذاكرة صماء إلى حوارٍ حي، ومن تراثٍ جامد إلى مختبرٍ للقيم. وهنا تتجلى الحرية لا بوصفها قطيعة مع التاريخ، بل قدرة على الوقوف في قلب عواصفه بوعي وبصيرة.

يؤكد السيد الشيرازي(قده) أن «التاريخ يتجدد بتجدد الحياة» (3)، وأن السياسي – أو المؤسس لدولة أو فكرة – لا يكون مؤهلاً لعمله ما لم يكن تصاعدياً في فهمه للتاريخ. فإن التاريخ ليس نصاً مغلقاً، بل حركة متصاعدة، تتفاعل فيها الشخصية الكبيرة مع السياق التاريخي. «إن لكل من التاريخ والشخصية دوراً كبيراً في التأثير على الآخر» (4)، فالإنسان الكبير قادر على تغيير مجرى التاريخ بقدر، لكن «شلال التاريخ يلون الإنسان الكبير بلونه» (5) أيضاً. بالتالي، فإن العلاقة هنا جدلية: لا عبقرية بلا سياق، ولا سياق يتجدد بلا فاعل واع.

من هذا المنظور، يصبح الحاضر هو «ساحة التوتر المقدسة». ليس التوتر هنا قلقاً سلبياً، بل طاقة مشحونة، كوتر القوس المشدود. والحاضر هو نقطة التصادم بين قوة الدفع القادمة من الماضي، بكل تجاربه وتقاليده ودروسه، وقوة الجذب المنبعثة من المستقبل، بكل طموحاته واحتمالاته. هذا التصادم يخلق حالة من التوتر الوجودي الخلاق؛ فلو غاب، لصرنا إما أسرى جمود تاريخي، أو أسرى فوضى حالمة بلا جذور.

الحاضر ليس كمية وقت، بل كثافة معنى. هو اللحظة الوحيدة التي نمتلك فيها سلطة التغيير. الماضي اكتمل، والمستقبل لم يولد بعد؛ أما الحاضر فهو الممر الوحيد الذي تعبر منه الحرية إلى الفعل. إنه المختبر الذي يُصهر فيه القديم ليعاد تشكيله في صورة الجديد. هنا يتوقف الإنسان عن كونه متفرجاً على التاريخ، ليصبح مشاركاً في صياغته.

ولذلك، فإن «المؤسس لدولة أو فكرة بحاجة إلى معرفة التاريخ ومجريات الأمور وخصوصيتها وتفاعلاتها» (6). فإن كل مشروع بلا وعي تاريخي هو مشروع بلا جذور، وكل وعي بلا فعل هو معرفة بلا أثر. إن الفهم التحليلي المعتدل للتاريخ يمنحنا البصيرة، لكن الإرادة الحرة في الحاضر هي التي تمنحنا القدرة على تحويل البصيرة إلى واقع.

في النهاية، لسنا أبناء الأمس ولا سكان الغد، بل نحن صنّاع اللحظة التي يتعانق فيها الزمنان. كما أن الماضي ليس جداراً نسنده، ولا المستقبل سراباً نطارده؛ إنهما تياران يلتقيان في أعماق وعينا، ليشكّلا هذا الحاضر المشحون بإمكانية الاختيار.

التاريخ لا يطلب منا أن نُقلّده، بل أن نفهمه، ولا يريدنا أن نحمله كعبء على الظهر، بل كبوصلة في اليد. وكلما ازددنا وعياً بفلسفته – كما يؤكد السيد محمد الحسيني الشيرازي – ازددنا قدرة على تحويل التجربة إلى بصيرة، والبصيرة إلى فعل.

إن الحاضر ليس لحظة عابرة، بل امتحان مستمر لكرامتنا الإنسانية .. في الحاضر يقاس مقدار وعينا، وفيه تتجسد حريتنا، وفيه يتحدد إن كنا سنكون مجرد صدى لما كان، أم يكون لنا دور يضاف إلى أدوار الآخرين في فضاء الوجود.

والتاريخ شلال متدفق، يلوننا بلونه إن استسلمنا له، لكنه يمنحنا ماءه لنروي به أرض الغد إن وعيناه، وبين أن نكون غارقين في مياهه، أو عابرين فوقه بجسر من وعي، تتحدد قيمة حضورنا.

لسنا متفرجين على الزمن، بل شركاء في كتابته. وفي كل قرار نأخذه، وفي كل فكرة نؤسسها، وفي كل عدل نقيمه، نضيف سطراً جديداً إلى كتاب لم يُغلَق بعد. وهكذا، فإن السؤال ليس: ماذا فعل بنا التاريخ؟ بل: ماذا سنفعل نحن به .. الآن؟ وهكذا، لا يكون التاريخ وراءنا، بل بين أيدينا؛ لا ليقيدنا، بل ليختبر قدرتنا على أن نكون جديرين به.

---------------------------------

(1) السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده)، فقه السياسة: ج1 (النسخة الإلكترونية)

(2) السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده)، الهداية والرشد الفكري: ص19

(3) فقه السياسة: ج1 (النسخة الإلكترونية)

(4) فقه السياسة: ج1 (النسخة الإلكترونية)

(5) فقه السياسة: ج1 (النسخة الإلكترونية)

(6) السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده)، ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص24