الإمام الحسن المجتبى.. المعرفة طريق التحرر




 

 

موقع الإمام الشيرازي

15/شهر رمضان/1447

 

 

يحتفي الشيعة عند منتصف شهر رمضان المبارك بذكرى مولد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، سبط النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي قال فيه وفي أخيه الحسين: «الحسنُ والحُسَينُ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّةِ» (أخرجه الترمذي 3768 وأحمد 11636والنسائي في "الكبرى" 8113).

وُلد الإمام الحسن الزكيّ (عليه السلام) في النصف من شهر رمضان المبارك سنة 3 للهجرة، في بيت النبوة ومهد الوحي، فتلَقّى علوم الإسلام من منابعه الأصيلة. وتُعَدّ حياته مصدراً للعِبَر والحِكَم التي تجسّدت في سيرته العملية والفكرية، وهكذا، فإن سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) سيرة ثرية حفظتها مصادر تاريخية متعددة ومتنوعة.

أبرز المواقف التاريخية للإمام الحسن صُلْحُه (أو هدنته) مع معاوية سنة 41 هـ، إذ آثر الإمام (عليه السلام) مصلحة الأمة على الصراع الدموي، قائلاً: «ما أردتُ بهذا الصلح إلّا أن أدفعَ عنكم القتل» (الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري، ص220). يُعتَبَر هذا الصلح درساً في تقديم المصلحة العامة على المكاسب الشخصية أو المصالح الضيقة (الفئوية أو الحزبية). أيضاً في موقف الإمام – من خلال الصلح - فيه إشارة إلى أن القيادة الحكيمة تدرك متى تمسك بالسيف ومتى تفتح باب الحوار.

عُرِفَ الإمام الحسن (عليه السلام) بـ "كريم أهل البيت"، فقد رُوي أنه تصدّق بكل ماله مرتين، بل وزاد على ذلك بأن يتصدّق بنعليه وهو في طريق العودة إلى بيته (الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر). وكان يردّد: «إنَّ أحسَنَ الحَسَنِ الخُلُقُ الحَسَنُ» (الخصال للشيخ الصدوق: ص29)، مؤكداً أن الجمال الحقيقي هو جمال الأخلاق والعطاء.

جسَّد الإمام الحسن (عليه السلام) أخلاق جده النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في تعامله حتى مع أعدائه. رَوى المؤرخون أنه عندما سُئل عن سبب عدم مقابلة الإساءة بالإساءة، أجاب بما أجاب به أبوه أمير المؤمنين (عليه السلام): «إني لأستحيي أن يغلب جهله علمي، وذنبه عفوي، ومسألته جودي» (مناقب آل أبي طالب: ج2 - ص114). كما علّم أتباعه أنّ «مُداراةُ النّاسِ نِصْفُ العقل» (بحار الأنوار. ج 77، ص 213)، داعياً إلى الحكمة في التعامل مع الاختلافات.

كان الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) منارة للعلم، يُشهَد له بالبلاغة والفصاحة. رُوي عنه قوله: «علِّم الناس، وتعلَّم علم غيرك، فتكون قد أتقنت علمك، وعلمت ما لم تعلم» (كشف الغمة: ج2 – ص197). كما حذّر من الجهل قائلاً: « واعلموا علماً يقيناً؛ أنّكم لن تعرفوا التقى، حتّى تعرفوا صفة الهدى» (تحف العقول: ص39)، وقال: «العاقل عدو لذته، والجاهل عبد شهوته» (غرر الحكم: 7595)، مؤكداً أن المعرفة طريق للتحرر من الأهواء.

عانى الإمام الحسن (عليه السلام) من محن جسام، بدءاً من اغتيال أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومروراً بتحريض بعض ضده بعد الصلح، وانتهاءً بسمٍّ دُسَّ إليه. لكنه ثَبَتَ وصَبَر؛ كجده النبي وأبيه الوصي، قائلاً: «الصبر يعقب خيراً، فاصبروا ووطِّنوا أنفسكم على الصبر تُؤجَروا» (الكافي: ج2 – ص73). وفي صبره درسٌ بأن العاقبة للمتقين، مهما طال الظلم.

في سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) استحضار لرؤية شاملة تجمع بين الأخلاق النبوية والحكمة السياسية. ففي سيرته ما يعلّمنا أن القوة الحقيقية تكمن في قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد، والعفو عند المقدرة، والحكمة في إدارة الأزمات، وهي دروس يحتاجها عالمنا اليوم. ومن خلال الصلح مع معاوية، قدَّم الإمام السِبْط (عليه السلام) درساً في تقديم المصلحة العامة على المكاسب الشخصية أو المصالح الضيقة (الفئوية أو الحزبية). وفي هذا الصلح أيضاً رسالة مفادها أن القيادة الحكيمة هي التي تدرك متى يُشرَع السيف، ومتى يُفتَح باب الحوار، كما تدرك أن الظلم يورِث الذل، وهو أعظم الجرائم وأكبر المآثم، وأن عروش الظلم واهية ومهما امتد أمدها فمصيرها الزوال.