مؤاخاة في مكة .. وأخرى في المدينة




يا عليّ .. "قل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب" (*)

 

موقع الإمام الشيرازي

12/شهر رمضان/1447

 

 

تشير روايات عديدة، للفريقين، الى أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) آخى بينه وبين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ وفي مناسبتين مختلفتين، وهذا الحدث يُعتبر من الأحداث المهمة في السيرة النبوية، ليس فقط في الجانب السياسي والاجتماعي، بل أيضاً في الجانب الإيماني؛ وفي الدنيا والآخرة.

المؤاخاة الأولى .. في مكة قبل الهجرة

بعد بدء الدعوة الإسلامية في مكة، واجه المسلمون تحديات كبيرة بسبب الاضطهاد من قريش. في هذه الفترة، أراد النبي (صلى الله عليه وآله) تعزيز الروابط بين المسلمين ليكونوا أكثر تماسكاً وتضامناً.

وفي هذه المرحلة، قام النبي (صلى الله عليه وآله) بمؤاخاة عدد من الصحابة، حيث كان يؤاخي بين شخصين ليكونا كالأخوين في الدعم المعنوي والمادي. وفي هذا السياق، اختار النبي (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليكون أخاه.

هذه المؤاخاة تُظهِر العلاقة الخاصة بين النبيّ وعليّ، حيث كان عليّ (عليه السلام) من أوائل مّنْ آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وكان قريباً جداً منه، سواء من الناحية العائلية (ابن عمه وزوج ابنته فاطمة) أو من الناحية الإيمانية.

المؤاخاة الثانية .. في المدينة بعد الهجرة

بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، واجه المسلمون تحديات جديدة، بما في ذلك بناء مجتمع متماسك بين المهاجرين والأنصار. كجزء من جهوده لبناء هذا المجتمع، قام النبي (صلى الله عليه وآله) بمؤاخاة الصحابة مرة أخرى.

وفي هذه المرة، قام النبي (صلى الله عليه وآله) بمؤاخاة المهاجرين مع الأنصار. لكنه استثنى نفسه وعلياً من الجميع، ثم آخى بينه وبين علي، وقيل إنه قال: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" (المستدرك للحاكم: ج3 – ص14).

هذه المؤاخاة الثانية تبين استمرارية العلاقة الخاصة بين النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) وديمومتها، وتدلّ أيضاً على مكانة أمير المؤمنين الإيمانية الخاصة.

تفاصيل حدث وحادثة المؤاخاة مروية في عدة كتب تاريخية ودينية، مثل: "السيرة النبوية" لابن هشام (بتركيز على المؤاخاة في المدينة)، وتاريخ الطبري، وتاريخ ابن الأثير، بالموازاة تفاصيل المؤاخاة مذكورة في كتب للكليني، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي وأيضاً "بحار الأنوار" للمجلسي.

المؤاخاة بين النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حدثت مرتين: الأولى في مكة قبل الهجرة لتعزيز الروابط بين المسلمين في ظل الاضطهاد، والثانية في المدينة بعد الهجرة لبناء المجتمع الإسلامي الجديد. في كلتا المرتين، اختار النبيّ (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) ليكون أخاه، مما يعكس العلاقة الإيمانية الخاصة جداً بينهما. بالتالي، المؤاخاة تدبير إلهيّ وإنجاز نبويّ لتمييز عليّ بن أبي طالب عن جميع المسلمين، وتبيين مكانته الدينية والدنيوية العالية، وتأكيد دوره على مستوى الإمامة والخلافة معاً فيما بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله).

------------------------------

(*) أورد الحاكم النيسابوري بسنده عن عبد الله بن عمر قال: لمَّا ورد رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) المدينة آخى بين أصحابه، فجاء علي تدمعُ عيناه فقال: "يا رسول الله آخيتَ بين أصحابك ولم تواخِ بيني وبين أحدٍ". فقال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): "يا عليُّ أنت أخي في الدنيا والآخرة" قال الحاكم: تابعه سالم بن أبي حفصة عن جميع بزيادة في السياق (المستدرك على الصحيحين (الحاكم النيسابوري) ج3 / ص14، سنن الترمذي ج5 / ص300).

وأخرجه أحمد بن حنبل في الفضائل – المناقب - بسنده عن عمر بن عبد الله عن أبيه عن جدِّه: "أنَّ النبيَّ آخى بين الناس وترك عليَّاً حتى بقيَ آخرهم لا يرى له أخاً، فقال: يا رسولَ الله آخيت بين الناس وتركتني؟ قال: ولِمَ تراني تركتُك؟ إنَّما تركتُك لنفسي، أنتَ أخي وأنا أخوك، فإنْ ذاكرك أحدٌ فقل: أنا عبدُ الله وأخو رسولِه لا يدَّعيها بعدي إلا كذَّاب"( فضائل الصحابة -أحمد بن حنبل- ص617).

وأخرجه في سُنن ابن ماجه بسنده عباد بن عبد الله قال: قال عليٌّ: "أنا عبد الله، وأخو رسولِه، وأنا الصدِّيقُ الأكبر، لا يقولُها بعدي إلا كذَّاب، صليتُ قبل الناس لسبعِ سنين". في الزوائد: هذا إسناد صحيح، رجالُه ثقات. رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال. وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين" (سنن ابن ماجة: ج1 / ص44. السنن الكبرى (النسائي) ج5 / ص107). وأضاف في ذيل الحديث: "صليت قبل الناس بسبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة" (المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص112).

ورواه أحمد بن حنبل في الفضائل -المناقب- بسنده سعيد بن المسيب، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخى بين أصحابه، فبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر، وعمر، وعلي، فآخى بين أبي بكر وعمر، وقال لعلي: "أنتَ أخي، وأنا أخوك" (فضائل الصحابة (أحمد بن حنبل) ص 275).

وأخرجه الدارقطني عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: "إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخى بين أصحابه، فبقي هو وأبو بكر، وعمر، وعلي، فآخى بين أبي بكر وعمر، وقال لعليٍّ: "أنتَ أخي وأنا أخوك، ولكنْ لا نبوَّة" (العلل الواردة في الأحاديث النبويَّة (الدارقطني) ج9 / ص205).

وأخرج ابن عساكر بسنده مطر بن ميمون المحاربي عن أنس بن مالك قال: سمعتُه يقول: آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين المسلمين فقال لعليٍّ: "أنتَ أخي وأنا أخوك .. وآخى بين المسلمين جميعاً" (تاريخ مدينة دمشق ج 42 / ص52، ذيل تاريخ بغداد (ابن النجار البغدادي) ج5 / ص89).