إنما الصيام لغاية أعظم!




 

 

موقع الإمام الشيرازي

7/شهر رمضان/1447

 

 

قال الله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)(البقرة 183). هذا يعني، أن الصيام لا يُراد لذاته، وإلا تحول إلى جهد لتقليل الوزن مثلاً! وإنما لهدفٍ أكبر وغاية أسمى هي (التقوى) على المستويين الفرد والجماعة (المجتمع أو الأمة).

وهذا هو حال كل فروع الدين الأخرى:

كالصلاة؛ (إن الصلاة تنهىٰ عن الفحشاء والمنكر)(العنكبوت 45)،

والحج؛ (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خيرٌ فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذٰلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون* لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولٰكن يناله التقوىٰ منكم كذٰلك سخرها لكم لتكبروا الله علىٰ ما هداكم ۗ وبشر المحسنين)(الحج 36)،

والحقوق؛ (ما أفاء الله علىٰ رسوله من أهل القرىٰ فلله وللرسول ولذي القربىٰ واليتامىٰ والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)(الحشر 7)،

فهي عبادات نتمم بها مكارم الأخلاق، ونُقوِّم من خلالها السلوكيات، ونُزَكِّي عبرها النفوس.

وفي خطبة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) توضيح كاف لهذه الفلسفة بقولها (عليها السلام):

"فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزاً للإسلام، والصبر معونةً على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحةً للعامة، وبر الوالدين وقايةً من السخط، وصلة الأرحام منماةً للعدد، والقصاص حصناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفة. وحرم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية، (فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه (إنما يخشى الله من عباده العلماء)" (بحار الأنوار: ج29 – ص223).

وفي نفس المعنى، قول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في بيان تعليل العبادات سلباً وإيجاباً:

"فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك والصلاة تنزيهاً عن الكبر والزكاة تسبيباً للرزق والصيام ابتلاءً لإخلاص الخلق والحج تقربةً للدين والجهاد عزاً للإسلام والأمر بالمعروف مصلحةً للعوام والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء وصلة الرحم منماةً للعدد والقصاص حقناً للدماء وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل ومجانبة السرقة إيجاباً للعفة وترك الزنا تحصيناً للنسب وترك اللواط تكثيراً للنسل والشهادات استظهاراً على المجاحدات وترك الكذب تشريفاً للصدق والسلام أماناً من المخاوف والأمانة نظاماً للأمة والطاعة تعظيماً للإمامة" (نهج البلاغة. الشريف الرضي: ج4 - ص55).

وقوله (عليه السلام): "ولكل شيءٍ زكاةٌ وزكاة البدن الصيام" (بحار الأنوار: ج93 – ص257)؛ أي أن الصيام يُطَهِّر الجسد من منبت الحرام عن غير قصدٍ.

ولذلك، حذر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من مغبة تحويل العبادات إلى عادة في حياتنا، نستوحش إذا لم نؤدها، ونشعر بنقصٍ في شيءٍ ما إذا لم نمارسها! لأنها بهذه الحالة، ستفقد جوهرها ومبتغاها، وتتحول إلى رياضات روتينية لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا تترك أي أثر في حياتنا.

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن أنظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة" (بحار الأنوار.  العلامة المجلسي، ج 68 – ص 9)، وقول حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): "لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه آستوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة" (الكافي: ج2 – ص104).

بمعنى؛ الصيام الذي لا يحقق هذا الهدف - التقوى - لا خير فيه، فمثله كمثل من يستأجر سيارة ليسافر بها من بغداد إلى الموصل، لكنه في لحظة السفر يكتشف أنها لا تشتغل لسبب أو لآخر، ما يعني أنه دفع ثمن استئجارها من دون فائدة، كما أنه فشل في الوصول إلى هدفه الذي ابتغاه من إستئجار السيارة.

بكلمة أخرى، إن الغرض الأكبر من الصيام هو لتكون الصائمة وليكون الصائم في كل زمان ومكان على ورع، بالتالي يكون كما قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري في وصف الشيعي حقاً: "فَوَاللهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ" (الكافي. ج2 - ص74).