من الصيام الى التقوى .. من الفرد الى المجتمع




 

موقع الإمام الشيرازي

5 / شهر رمضان / 1447

 

 

في جوهر التشريع القرآني، يقف الصيام شاهداً على غاية وحيدة تختصر كل العبادات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(البقرة: 183). فإن التقوى ليست مجرد شعور قلبي باهت، بل هي "نظام رقابة صارم" يعيد تعريف علاقة الفرد بمسؤوليته، خاصة في المجتمعات التي تعاني أزمات بنيوية وأخلاقية عميقة.

في الوقت، أن الاختبار الحقيقي للتقوى في شهر رمضان لا يتجلى في المحراب فحسب، بل في الميادين التي تُمتَحَن فيها الأمانة. بالتالي، فإن التقوى تضع "النخبة الدينية والسياسية – قادة المجتمع والمؤثرين في سياق فكره وسلوكه والصانعين لطبيعة حياته" أمام استحقاقات مصيرية:

تقوى المسؤول والسياسي؛ وهي قيمة النبل والشرف التي تمنع الموظف العام من استباحة "المال العام أو المال المشاع"، وتمنعه من سرقة الوقت المخصص لخدمة الناس. إن تقوى المسؤول تتجسد في إدراك أن الكرسي ليس مغنماً، بل هو "وقوف بباب الله" يُسأل فيه عن حقوق الملايين.

تقوى الوعي والمنبر؛ وهي المسؤولية العظمى التي تقع على عاتق الفقيه، ورجل الدين، والخطيب. تقواهم تكمن في صون الحقيقة من التزييف، وفي تنقية الخطاب الديني من الافتراءات والشعبويات التي تطيح بعقول الناس وتشوه ضمائرهم وتعبث بكراماتهم وتهمش حقوقهم. فـ إن الصدع بالحق دون محاباة، هو جوهر الصيام الفكري الذي يحتاجه واقعنا اليوم.

إن التقوى التي ينشدها الصيام تنقسم إلى مسارين متكاملين؛ تقوى فردية تهذب النفس، وتقوى جماعية تحمي كيان الأمة. وقد رسم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ملامح هذه الحالة الشاملة في حكمته الخالدة: "لا شرف أعلى من الإسلام، ولا عزّ أعزّ من التقوى، ولا معقل أحسن من الورع..." (تحف العقول: ص92).

إن استلهام هذا النص العَلَويّ في واقعنا المأزوم يعني تحويل التقوى إلى "كنز للقناعة" يقطع الطريق على الحرص والكبر والحسد، وهي الآفات التي تدفع الأفراد والنخب إلى "التقحم في الذنوب" العامة، من سرقة المال العام أو نهب للمقدرات أو السطو على الممتلكات أو إثارة للفتن.

وإن الغاية من تلاوة القرآن الكريم والتدبر في آياته في ليالي القدر، هي أن يخرج المرء بـ "وعي تقوائي/تقووي" يجعله يرى أن الشّرّ جامع المساوئ والعيوب. فإن الذي لا يمنعه صومه عن التورط في مظالم العباد، أو التستر على الفساد، أو تضليل الناس بالدين، لم ينل من صيامه إلا الجوع. تقول سيدة نساء العالمين، مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام): "ما يصنع الصائم بصيامه، إذا لم يصن لسانه، وسمعه، وبصره، وجوارحه" (مستدرك الوسائل. ج7 – ص366).

وهكذا؛ فـ إننا اليوم بحاجة إلى "تقوى اجتماعية" عابرة للانتماءات الضيقة، تقوى تجعل من النزاهة ديناً، ومن خدمة الإنسان عبادة، ومن قول الحق جهاداً. ليصبح شهر رمضان بذلك ثورة على الرغبة التي هي مفتاح الظلم والإجحاف والفساد والشقاء، وانتقالاً نحو الراحة والسكينة والحياة الكريمة التي لا تتحقق إلا بالعدل والصدق والأمانة .. وهكذا؛ فإن التقوى هي طريق لتحقيق الحياة الكريمة للفرد والمجتمع.