
|
قيم رمضانية .. تقوى النخبة بين أمانة النفوذ وأزمة الواقع |
|
|
|
|
|
|
|
|
من صوم الجوارح إلى قضاء حوائج الناس
موقع الإمام الشيرازي 3 / شهر رمضان / 1447
في رحاب الشهر الكريم، يتطلع المؤمنون إلى ذروة المقاصد الإلهية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فإن شهر رمضان هو شهر التقوى، أو رفع درجة التقوى، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة 183). بالتالي، فإن الهدف الأكبر من شهر رمضان - بصيامه وقيامه وتلاوة القرآن الكريم والتدبّر في آياته والعبادات والدّعوات وليالي القدر - هو أن نحصد التقوى (1). بيد أن التقوى في جوهرها ليست انزواء في مكان للعبادة، بل هي عبادة وأيضاً استنفار للضمير الإنساني في مواجهة الأزمات. والتقوى هي "الميزان" الذي يضبط أداء النخبة - سياسية كانت أم دينية - في واقع مأزوم يضج بالاحتياجات والمظالم. والتقوى هي أن يرى الموظف في الدولة أن "المال العام" أمانة إلهية قبل أن يكون عهدة قانونية، وأن يدرك أن سرقة الوقت المخصص لخدمة المواطن هي خرم في جدار صومه. أما التقوى للنخب الفكرية والدينية فهي أشد إلحاحاً؛ إذ تفرض عليهم "صياماً" عن التضليل والعبث، وتوجب عليهم التدقيق في القيم والنموذج الذي يقدمونه للناس، بعيداً عن الروايات الموضوعة والافتراءات التي تعبث بوعي المجتمع. في السياق، فإن من أعمق صور التقوى الجماعية ما طرحه المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي(2)، حين حدد وظيفة "رجل الدين" بأنها لا تنفصل عن واقع الناس المرير. فإن الدين - في رؤيته - هو للدنيا بقدر ما هو للآخرة. فإن قيمة رجل الدين تكمن في قدرته على حل مشاكل المجتمع، فالناس يلتفون حول "الحلاّل للمشاكل". وهنا يستحضر(قده) قول الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): "إن خواتيم أعمالكم قضاء حوائج إخوانكم والإحسان إليهم ما قدرتم، وإلا لم يقبل منكم عمل" (بحار الأنوار: ج 72- ص 379). في الوقت أن التقوى تدفع رجل الدين الى أن يبادر بنفسه لتفقد المحتاجين، لا أن ينتظر استغاثتهم، انطلاقاً مما رُوي عن الإمام الصادق ( عليه السلام) قوله: "قال الله سبحانه الخلق عيالي، فأحَبَهم إلي الطَفَهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم" (الكافي: ج2 - ص199). وفي ظل الواقع المأزوم، يمتلك أصحاب الرأي والنفوذ الديني "قوة ومنعة"، وهنا يبرز الاختبار الأخلاقي الأكبر الذي يحذر منه الإمام الشيرازي(قده): (1) توظيف العلاقات للعدل والإصلاح؛ فيجب تسخير الصداقات والعلاقات (بما فيها العلاقة مع نواب الشعب والسياسيين والمسؤولين) لرفع الظلم وإحقاق الحق فقط ومواجهة الفساد. (2) اجتناب الاستغلال الشخصي؛ فإن استغلال النفوذ الديني لتحقيق مآرب فئوية أو رغبات شخصية لا يلوث السمعة فحسب، بل هو انزلاق خطير قد يؤدي بصاحبه لأن "ينحشر في ركاب الظالمين من حيث لا يشعر"، وفقاً لرؤيته(قده). إن شهر رمضان هو شهر العمل بمقتضى قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (سبأ: 13). وإن شكر نعمة العلم والوجاهة يكون بإنقاذ الناس من "ذل الحاجة وهموم الأزمات". فإن التقوى الفردية التي لا تُتَرْجَم إلى "أمن وأمان" للمجتمع هي تقوى ناقصة، فالآمنون يوم القيامة هم أولئك الذين يسعون في حوائج الناس في الأرض؛ وفقاً لقول الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): "إن الله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة" (الكافي: ج2 - ص197). وهكذا؛ فإن شهر رمضان فرصة لإعادة هيكلة "النخبة الدينية والسياسية"، لتتحول من مراكز قوى الى مراكز خدمة. فـ إذا قامت النخب بمسؤوليتها في حل مشاكل الناس برحمة وإنصاف ونزاهة، استعاد المجتمع ثقته بـ (القيم)، وتحول الصيام من مجرد إمساك عن المفطرات إلى "ثورة بيضاء" على الفساد والظلم والفشل والاستغلال والمحسوبية والمنسوبية.
------------------------------ (1) في مشروعه "الفقهي-الحضاري"، السيد محمد الحسيني الشيرازي يربط بين التقوى كمقصد روحي فردي، وبين الحرية والشورى كمقاصد اجتماعية وسياسية ضرورية؛ حيث يرى أن غاية الدين هي تحرير الإنسان من الأغلال الداخلية والخارجية ليصل إلى ذروة التقوى. (2) يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده): "على رجل الدين أن يهتم بحل مشاكل الناس، وينصب من نفسه قائماً بمهامهم، فإن رجل الدين إنما هو للدين والدنيا، والناس يلتفون حول الحلال للمشاكل بما لا يلتفون حول سواه، ولذا ورد في متواتر الأحاديث الحث على قضاء حوائج الناس". |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|