استدراك الشهر المعظّم واستقبال الشهر العظيم




 

 

موقع الإمام الشيرازي

29 / شعبان / 1447

 

 

في الساعات الأخيرة من شهر شعبان المُعَظَّم، ومع اقتراب بزوغ هلال شهر رمضان العظيم، يجدر تذكّر واستحضار وصية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كمنهج إصلاحي شامل، لا يكتفي بالجانب التعبدي الفردي، بل يمتد ليشمل تقويم العلاقات الإنسانية وتصفية الحسابات مع النفس والآخرين.

دخل أبو الصلت الهروي على الإمام الرضا (عليه السلام) في آخر جمعة من شعبان، فخاطبه الإمام بكلمات حول ما ينبغي بوداع شهر شعبان، وما ينبغي في الاستعداد النفسي والعملي، لاستقبال شهر رمضان، قائلاً:

"يَا أَبَا اَلصَلْت، إِنَّ شَعْبَانَ قَدْ مَضَى أَكْثَرُهُ، وَهَذَا آخِرُ جُمُعَةٍ فِيهِ، فَتَدَارَكْ فِي مَا بَقِيَ مِنْهُ تَقْصِيرَكَ فِي مَا مَضَى مِنْهُ، وَعَلَيْكَ‏ بِالْإِقْبَالِ‏ عَلَى‏ مَا يَعْنِيكَ‏، وَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكَ لِيُقْبِلَ شَهْرُ اللَّهِ إِلَيْكَ وَأَنْتَ مُخْلِصٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا تَدَعَنَّ أَمَانَةً فِي عُنُقِكَ إِلَّا أَدَّيْتَهَا، وَلَا فِي قَلْبِكَ حِقْداً عَلَى مُؤْمِنٍ إِلَّا نَزَعْتَهُ، وَلَا ذَنْباً أَنْتَ مُرْتَكِبُهُ إِلَّا قَلَعْتَ عَنْهُ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡء قَدۡرا﴾(الطلاق: 3)، وَأَكْثِرْ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ: اللَّهُمَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ غَفَرْتَ لَنَا فِي مَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ فَاغْفِرْ لَنَا فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ" فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعْتِقُ فِي هَذَا الشَّهْرِ رِقَاباً مِنَ النَّارِ لِحُرْمَةِ شَهْرِ رَمَضَان" (بحار الأنوار: ج94 - ص72).

يمكن تلخيص البرنامج الرمضاني الذي رسمه الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في هذه المحاور الثلاثة التي تضمنها كلامه الشريف:

(1) المحور التعبدي (الصلة بالخالق) .. حث الإمام على تكثيف الذكر (الدعاء، والاستغفار، وتلاوة القرآن) ليس كطقوس شكلية، بل كأدوات لتنقية الروح وتهيئتها للدخول في "مأدبة الله" بإخلاص تام.

(2) المحور الأخلاقي (الصلة بالناس) .. اشترط الإمام لدخول شهر رمضان بـ "سلامة صدر" أمرين: أداء الأمانات (الحقوق المادية والاعتبارية)، ونزع الأحقاد (تطهير القلب من الضغينة)، فإنه من غير الممكن استنزال الرحمة الإلهية بقلب يحمل الغل لعباد الله.

(3) المحور السلوكي (الانضباط الذاتي) .. أكد الإمام على ضرورة "القلع" عن الذنوب الملازمة، والتوكل المطلق على الله في السر والعلانية، مما يُحَوِّل الصيام من مجرد إمساك عن الطعام والشراب إلى حالة من مراقبة النفس وضبط السلوك والتقوى الشاملة.

وهكذا؛ فإن هذا النص الرَضَويّ الكريم يمثل دعوة لكل مؤمن ومؤمنة كي لا يدخل الشهر الكريم بـ "حمولة زائدة" من المكدرات أو التقصير أو الخصومات، بل يدخل خفيفاً، ومخلصاً، ومستعداً للتغيير الحقيقي وصولاً للإصلاح الشامل. تقول سيدة نساء العالمين، مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام): "ما يصنع الصائم بصيامه، إذا لم يصن لسانه، وسمعه، وبصره، وجوارحه" (مستدرك الوسائل. ج7 – ص366).