استقبالاً لشهر رمضان .. الخطبة النبوية ورؤية الإصلاح الشامل




 

 

موقع الإمام الشيرازي

27 / شعبان / 1447

 

وفقاً للمعيار الفاطمي فإن الصيام هو انتقال من التدين الشكلي/الظاهري إلى التدين البنيوي/الحقيقي

 

حريٌّ بالمؤمنين والمؤمنات أن يقفوا عند عتبة شهر رمضان المبارك والكريم وقفة وعي وتأمل، لا وقفة عادة وتكرار. فإن هذا الشهر العظيم ليس محطة زمنية عابرة في تقويم السنة، بل هو موسم إلهي تتنزل فيه البركات، وتتضاعف فيه الرحمات، وتُفتَح فيه أبواب المغفرة على مصاريعها. هو الشهر العظيم الذي وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في خطبته الشريفة في استقبال شهر رمضان، بأنه «أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات» (الكافي: ج 6 – ص 438)، وفيه تُمَدّ للعباد دعوة استثنائية إلى «ضيافة الله»؛ وضيافة الكريم ليست كسائر الضيافات، إذ لا يراد منها الجوع والعطش لذاتهما، بل ما وراءهما من صفاء القلب، وانكسار النفس، واستعادة البوصلة نحو الله سبحانه.

فالصيام في جوهره ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل امتناع عن كل ما يُثقِل الروح ويُكدّر السريرة. الصيام هو تمرين على الحرية الداخلية، وعلى استعادة السيادة على الشهوة والغضب والهوى. ولذلك قالت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام): «ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه» (مستدرك الوسائل. ج7 – ص366). السيدة الزهراء (عليها السلام) هنا تختصر فلسفة الصيام في كلمة واحدة: الصون؛ صون الجوارح عن المعصية، وصون القلب عن القسوة، وصون النفس عن الانفلات.

وهنا تتضح الفكرة الأعمق: شهر رمضان هو انتقال من التدين الشكلي/الظاهري إلى التدين البنيوي/الحقيقي؛ من الانفعال إلى البناء؛ من الشعيرة إلى التقوى. فالقرآن لا يعلّق غاية الصيام على الجوع، بل على التحول الذاتي/الشخصي؛ وهو التحول الذي يتمثل بـ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والتقوى هنا ليست شعوراً عابراً، بل نظام وعي دائم يضبط السلوك في السرّ والعلن.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي قبل دخول هذا الشهر العظيم ليس: ماذا سنأكل عند الإفطار؟ بل: كيف سندخل شهر رمضان بقلوب سليمة؟ وكيف نحسن استثمار هذا الشهر المبارك استثماراً يقربنا إلى الله تعالى، ويرفع درجات الورع فينا؟ إن لشهر رمضان حقوقاً على المؤمنين، كما أن فيه كرامات وخيرات تنتظر مَنْ يتهيأ لها ويبحث عنها ويريد الفوز بها. وفي هذا السياق يؤكد سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): «ليس هناك طريق للتوفيق أسهل من طريق محاسبة النفس .. ليخصص المرء كل يوم من شهر رمضان بعض وقته يخلو فيه، ويراجع ما مضى منه، فيصمم على أن يزيد من حسناته ويقلل من سيئاته». فالمحاسبة اليومية في رمضان ليست ترفاً روحياً، بل هي قلب المشروع الرمضاني، لأنها تحوّل الصيام من عادةٍ موسمية إلى مسار إصلاحي دائم.

ولعل خير ما نستقبل به هذا الشهر العظيم هو التأمل في خطبة الرسول الأعظم والأكرم (صلى الله عليه وآله) التي ألقاها في آخر جمعة من شعبان استقبالاً لشهر الله؛ تلك الخطبة النبوية التي ترسم خريطة الطريق للصائمين، وتبيّن لهم معالم الارتقاء الإيماني والأخلاقي والاجتماعي معاً. وقد ضمَّنَ المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) نص هذه الخطبة الكريمة كاملة في كتابه «الإسلام وشهر رمضان»(*)، مبيناً ما تنطوي عليه كلمات النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) من أبعاد تقوائية وأخلاقية وتربوية، وما تختزنه من أسرار تمس بناء الفرد والمجتمع معاً.

إن الخطبة النبوية المباركة، بما تحمله من نداءات إلى الرحمة، وإلى تفطير الصائمين، وإلى صلة الأرحام، وإلى كفّ الأذى، ليست برنامج عبادة فردية فحسب، بل مشروع إصلاح شامل يبدأ من النفس ولا ينتهي عند حدودها. ومن هنا تتجلّى الغاية الكبرى من الصيام، كما يبيّنها القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). فإن التقوى ليست شعاراً يُرفَع، بل ثمرة مجاهَدَةِ يومية، ومحصلة وعي مستمر بأن الله حاضر في السرّ والعلن.

وهكذا، فإن شهر رمضان المبارك ليس غاية في ذاته، بل بوابة إلى إيمان أنقى، ونفس أزكى، وخلق أرقى، وحياة أسمى. هو فرصة لإعادة ترتيب الذات، ومصالحة النفس، وتجديد العهد مع الله سبحانه. فإن مَنْ أحسَنَ استقباله، وأحسَنَ صحبته، خرج منه بقلب أكثر نقاء، وروح أكثر ثباتاً، وخلقاً أكثر نبلاً وسمواً، وعزم أكثر صلابة؛ عزم يمتد أثره إلى ما بعد هذا الشهر العظيم، بل إلى ما تبقى من العمر.

(*) الخطبة الشريفة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مع توضيحات قدمها الإمام الشيرازي الراحل في كتابه (الإسلام وشهر رمضان) في هذا الرابط:

https://www.alshirazi.com/compilations/islamiceducation/shahroramazan/5.htm