أنسنة القيم لاستعادة روح الدين




 

 

موقع الإمام الشيرازي

18 / شعبان / 1447

 

في زمنٍ نلحظ فيه خفوتاً في وهج القيم الإنسانية، وتراجعاً لدور المؤسسات في ملامسة أوجاع الناس الحقيقية، يبرز نصٌ عميق - في أعلاه - للمرجع الديني المجدد الراحل، السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، يبرز كبيان قيمي يعيد صياغة دور "رجل الدين" من مجرد ناقل للنصوص إلى "راعٍ للعدالة الاجتماعية". ينطلق(قده) من رؤية تجديدية ترى أن جوهر الدين يكتمل ظهوره بخدمة الإنسان/الدنيا، وأن العبادة الحقيقية ليست حبيسة المسجد والحسينية، بل هي سعي دؤوب في حوائج الناس. فإن الدين في هذا المنظور ليس نظاماً للعزلة، بل هو مشروع "إنقاذ" يضع كرامة الإنسان وحل مشكلاته المعيشية والاجتماعية في قلب الأولوية الشرعية، معتبراً أن التفاف الناس حول القادة الروحيين مشروطٌ بقدرة هؤلاء القادة على أن يكونوا "ملاذاً" في الشدائد وحلّالين للعُقَد.

وتتجلى القيمة الإنسانية الفائقة في دعوة السيد الشيرازي إلى "المبادرة" لا "الانتظار"؛ فإن المنهج الذي يرسمه(قده) يرفض البيروقراطية الدينية التي تكتفي بفتح الأبواب للمستغيثين، بل يطالب رجل الدين بأن يكون هو الباحث عن المحتاج والمتفقد للضعفاء. هذا النوع من الفهم للدين أو "الأنسنة" يتجاوز حدود المذهب والدين ليطال "الخلق جميعاً" انطلاقاً من المفهوم القدسي العميق "الخلق عيال الله". إن هذه النظرة الكونية تجعل من المؤسسة الدينية في فكر السيد الشيرازي مؤسسة خدمية، وعابرة للهويات الضيقة، حيث يصبح العمل على قضاء حوائج الناس هو "الختام" الحقيقي الذي تُقبل به الأعمال، والضمانة الأخلاقية التي تمنح العالم شرعيته الشعبية والروحية.

أما في الجانب السياسي والاجتماعي، فإن النص الكريم يضعنا أمام أخلاقيات "النفوذ" بذكاء وحذر؛ فإن السيد الشيرازي يؤكد أن رجل الدين يمتلك "رأسمالاً رمزياً" يتمثل في ثقة الناس ونفوذ الكلمة، ويرى أن شكر هذه النعمة لا يكون باللسان بل بالعمل على توظيف هذه العلاقات لصالح المظلومين. هو يدعو لانفتاح ورِع وذكي على "نواب الشعب" ومراكز القرار، ليس من أجل "الانصهار" في السلطة، بل من أجل "الضغط" الإيجابي لانتزاع الحقوق. هنا تبرز مهارة التوازن بين البراغماتية الرسالية والنقاء الأخلاقي؛ فإن رجل الدين مطالَب ببناء الجسور مع السياسيين شرط أن تظل هذه الجسور ممرات لمرور حاجات الفقراء، لا أنفاقاً لتحقيق مكاسب فئوية أو طموحات شخصية تلوث سمعة "المقدس" وتفقده هيبته.

وهكذا؛ يضع السيد الشيرازي(قده) تحذيراً شديد اللهجة من مغبة الانزلاق التدريجي نحو "ركاب الظالمين"، وهو انزلاق يبدأ – كما يرى – حينما تتحول الصداقات السياسية إلى وسيلة للمنفعة الخاصة. هذا التحذير يكشف أن "الاستقلال الأخلاقي" هو مصدر القوة الوحيد لرجال الدين؛ فمتى ما طُوِعَت العلاقات لأغراض شخصية، انكمش تأثير رجل الدين وتحول إلى جزء من المنظومة التي كان ينبغي عليه تقويمها. بالتالي، فإن رؤية السيد الشيرازي(قده) هي دعوة لاستعادة "الدين الحركي" الذي ينمو في الشارع، ويتنفس هموم البسطاء، ويقف شجاعاً في وجه الظلم، ليكون بحق "صوت من لا صوت لهم" في عالم يزداد شحوباً في قيمه الإنسانية.