الزيارة الشعبانية .. من تعبير عن المحبة إلى تجسيد القيم




بلورة انتظار الظهور المبارك من عاطفة فقط الى مسؤولية قيمية وأخلاقية

 

موقع الإمام الشيرازي

13 / شعبان / 1447

 

شعبان هو شهر الإصلاح لاقترانه بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر (عجل الله ظهوره)

محبتكم لأهل البيت (عليهم السلام) وإظهارها هو أمر حسن وفاضل، لكن نيل مقام القرب منهم يتطلب العمل باﻹسلام والالتزام به، وليس إظهار المحبة لهم فقط

 

في الخامس عشر من شعبان، تتجه قلوب الملايين قبل أقدامهم نحو مدينة كربلاء المقدسة، حيث يحيي الشيعة ذكرى ولادة الإمام المهدي المنتَظَر (عجل الله ظهوره) بزيارة ضريح جده الإمام الحسين (عليه السلام). وفي هذا المشهد المهيب، لا يملك المتأمل إلا أن يتساءل: ماذا يُراد من هذه الملايين؟ وما الذي تعنيه محبة الإمام المهدي في بعدها الجوهري؟

إن محبة الإمام المهدي (عليه السلام) – كما محبة النبي الأعظم وأهل البيت (عليهم السلام) – لا تُختَزل في الزيارة والدعاء والتصدّق، ولا تكتمل بالاعتقاد القلبي والعاطفة الجياشة وحدهما. فالعقيدة، إذا انفصلت عن السلوك، تحوّلت إلى ادعاء، والمحبة إن لم تُترْجَم عملاً وموقفاً، بقيت شعوراً بلا أثر.

التشيّع، في جوهره، ليس هوية تُعلََّق على الصدر، بل منظومة قيم تُمارَس في الحياة. ومن هنا فإن محبة الإمام القائم المنتَظَر تقتضي التورّع عن محارم الله، والالتزام العملي بما جاء به الإسلام، كما بيّنه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وجسّده أهل البيت (عليهم السلام). فليس كل من أعلن محبته للإمام محبوباً عنده، وإنما يُنال قرْب الإمام باتباع سيرته، لا بالاكتفاء بادعاء الولاء له.

هذا المعنى تؤكده بوضوح روايات أهل البيت (عليهم السلام). فالإمام محمد الباقر (عليه السلام) يضع معياراً صارماً للتشيّع، حين ينفي أن تكون المحبة اللفظية كافية، ويعرّف الشيعة بأنهم أهل تقوى وطاعة، يُعرفون بالتواضع، والأمانة، وصدق الحديث، وكف الأذى، ورعاية الجيران، والضعفاء، والأيتام، وأن يكونوا موضع ثقة في مجتمعاتهم. ثم يحسم الأمر بقول:» ليس بين الله وبين أحد قرابة« (1)، فلا نسب، ولا ادعاء، ولا انتماء مذهبي يعفي من مسؤولية العمل.

ويؤكد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) هذا المعنى حين يربط التشيّع بالورع والاجتهاد والوفاء والأمانة، لا بالطقوس المنفصلة عن الأخلاق (2)، فيما يختصر الإمام حسن العسكري (عليه السلام) وظيفة الشيعي في جملة بليغة: »كونوا زيناً ولا تكونوا شيناً« (3)، أي اجعلوا سلوككم اليومي دليلاً على صدق انتسابكم.

من هنا، فإن الزيارة الشعبانية المليونية المباركة ليست غاية بذاتها، بل محطة مراجعة أخلاقية. والزيارة الشعبانية هي سؤال مفتوح يوجّهه الإمام المهديّ المنتَظَر إلى زائره:

كيف تتصرف في بيتك؟

كيف تتعامل في السوق؟

كيف تؤدي وظيفتك في المؤسسة؟

كيف تمارس العلم في الجامعة والحوزة؟

كيف تتعامل مع المريض في المستشفى؟

وكيف تمارس السياسة إن كنت في موقع قرار أو تأثير؟

فإن العدل، والأمانة، والرحمة، ومكارم الأخلاق، ليست شعارات تُرفَع في المناسبات، بل التزام يومي في السلوك الفردي والجماعي، وفي المجال الاجتماعي كما في المجال السياسي. ومن دون هذا الالتزام، تتحول الزيارة إلى طقس فارغ، وتغدو المحبة ادعاءً لا يغيّر واقعاً ولا يبني إنساناً.

إن الإمام المهدي المنتَظَر (عجل الله ظهوره) مشروع عدل إلهي، ومَنْ يدّعي انتظاره حقاً، عليه أن يكون – بقدر استطاعته – جزءاً من هذا المشروع .. فيكون – وليس له إلا أن يكون - صادقاً، وأميناً، وعادلاً، ورحيماً، وعفيقاً .. عندها فقط، تتحول الزيارة الشعبانية من مسيرة أقدام .. إلى مسيرة وعي وقيم.

﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون﴾ (التوبة: 105)

--------------------

(1) رُوي عن جابر، عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): "يا جابر؛ أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع، والتخشع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء."

قال جابر: فقلت: "يا ابن رسول الله، ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة."

فقال أبو جعفر (عليه السلام): "يا جابر؛ لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل أن يقول: أحب علياً وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالا؟ فلو قال: إني أحب رسول الله فرسول الله خير من علي، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله، واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر، والله ما يُتَقَرَب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة من النار ولا على الله لأحد من حجة، مَنْ كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومَنْ كان لله عاصياً فهو لنا عدو، وما تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع" (الكافي:ج2 - ص74-75).

(2) يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، ويحجّون البيت، ويجتنبون كلّ محرّم" (بحار الأنوار: ج65 - ص167).

وقال (عليه السلام): "عليكم بتقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحُسن الصحبة لمَن صحبكم، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام" (صفات الشيعة. الشيخ الصدوق: ص28).

(3) يقول الإمام حسن العسكري (عليه السلام): "اتّقوا الله، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، جرّوا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح" (تحف العقول: ص488).