في الغَيْبَة الكبرى .. المرجع الديني «أكثر من مجرد فقيه»




 

شعبان هو شهر الإصلاح لاقترانه بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر

 

موقع الإمام الشيرازي

11 / شعبان / 1447

 

 

مثّلت الغَيْبَة الكبرى (بدأت في 329هـ) للإمام المهدي المنتَظَر (عجل الله فرجه) منعطفاً حاسماً في تاريخ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، إذ انتقلت الأمة لأول مرة من زمن التعيين المباشر، إماماً بعد إمام، ثم نائباً بعد نائب، إلى زمن تتحمل فيه مسؤولية اختيار من يتصدى للقيادة الدينية بوصفه نائباً عاماً عن الإمام الغائب. ولم يكن هذا الانتقال انتقالاً شكلياً، بل تحوّلاً عميقاً في طبيعة المرجعية الدينية ووظيفتها.

يشير الشهيد السيد حسن الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه (كلمة الإمام المهدي)، إلى أن اجتماع الشيعة على الشيخ المفيد (رحمه الله) لم يكن لأنه فقيه فحسب، فالفقهاء كُثُر، وإنما لأنهم وجدوا فيه «أكثر من مجرد فقيه». لقد مثّل ظهور الشيخ المفيد استجابة واعية لحاجة الأمة في مرحلة الفراغ القيادي التي أعقبت انتهاء الغَيْبَة الصغرى، حيث لم يعد العلم وحده كافياً لتأهيل المرجع الديني، بل أصبح مطلوباً منه أن يكون شخصية جامعة قادرة على القيادة والتوجيه وتحمل تبعات القرار.

إن الغَيْبَة الصغرى (260هـ - 329هـ) كانت مرحلة تهيئة نفسية وعملية، اعتاد فيها المُكَلَّف على طاعة نائب موثوق، أما الغَيْبَة الكبرى فقد أطلقت مسؤولية جديدة تتمثل في تمييز الأصلح من بين غير المعصومين، ضمن معايير تحمي الأمة من خطرين قاتلين: ادعاء الزعامة بغير حق، والانقياد الأعمى للرأي العام المنفلت من الضوابط.

وفي هذا السياق، تتجلى بوضوح معالم المرجع الديني الذي هو «أكثر من فقيه»، كما نظّر لها المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قُدِّس سرُّه). فإن المرجع الديني، في رؤيته، ليس منتجاً للفتوى فحسب، بل قائد يدرك صدى قراراته وانعكاسها في المجتمع، ويحيط بالتطورات من حوله، ويمتلك رؤية معاصرة تمنع انفصال المرجعية الدينية عن الواقع وعن الطبقات المثقفة في الأمة.

كما أن المرجع الديني «الأكثر من فقيه» هو صاحب منهج وقواعد كلية تحكم سلوكه في اللحظات الحرجة، فيوازن بين رضا الله سبحانه، ونقاء الدوافع الشخصية، وملاحظة الرأي العام بوصفه نبض الناس، من دون أن يتحول إلى تابع للأهواء أو ضحية للضغوط.

وهكذا، فإن المرجعية الدينية في عصر الغَيْبَة الكبرى ليست استمراراً تقنياً للفقه، بل تطوراً تاريخياً في وظيفة القيادة الدينية؛ حيث يكون المرجع الديني فقيهاً في النص، وبصيراً في الواقع، ومسؤولاً عن حفظ توازن الأمة في غياب الإمام المعصوم. بذلك يكون المرجع الديني «أكثر من مجرد فقيه».