المؤسسة الدينية .. بين النقد والإصلاح (2)




 

شعبان هو شهر الإصلاح لاقترانه بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر

 

موقع الإمام الشيرازي

8 / شعبان / 1447

 

 

لا تقاس حيوية المؤسسات بقدرتها على إطلاق التوجيهات وتوجيه الإرشادات وإنتاج القرارات فقط، بل بقدرتها على تصحيح ذاتها قبل أن تتراكم أخطاؤها. فإن المؤسسة - أية مؤسسة - التي لا تسمع لا تتعلم، والتي لا تتعلم تتصلّب، ومع الزمن تفقد علاقتها بالواقع وبالناس معاً. من هنا، لا يكون النقد خطراً على المؤسسات الحيّة، بل علامة من علامات عافيتها، شرط أن يُفهَم بوصفه أداة إصلاح لا وسيلة هدم (1).

في التفكير المؤسسي العميق، لا يُنظَر إلى النقد باعتباره تهديداً للمكانة أو انتقاصاً من الهيبة، بل باعتباره مرآة داخلية تكشف مواضع الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات. ولهذا يلفت المرجع الديني المجدِّد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) الى حقيقة بالغة الدقة حين يقول إن قيادة أي جماعة أو أمة بلا تفكير، تفضي إلى الفشل، وإن تعطيل العقل يفتح الباب أمام تحكّم الحاشية وصناعة القرار بالنيابة عن القيادة نفسها. وهنا لا يعود الخلل شخصياً، بل مؤسسياً بنيوياً (2).

تكمن خطورة غياب النقد في أنه لا ينتج استقراراً، بل تراكم أخطاء صامتة. فإن المؤسسة التي تحيط نفسها بدوائر مغلقة من المصفقين أو الخائفين، تفقد تدريجياً القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وبين النصيحة والعداء. ومع الوقت، تتحول القيادة إلى واجهة رمزية، بينما تدار التفاصيل من قبل المحيطين بها، وهو ما يجعل المؤسسة أسيرة منطق الدفاع لا التطوير.

ومن هنا، يشدد الإمام الشيرازي الراحل(قده) على ضرورة أن يقيس القائد أو المرجع الديني عمله بالهدف الكبير والواسع، لا بالمكاسب الآنية أو الحسابات الضيقة. فإن المؤسسة التي تفقد أفقها، تبدأ بالانكفاء على ذاتها، وتعيد إنتاج نفس الأساليب، حتى لو تغيّر الزمن وتبدلت الأسئلة. النقد، في هذه الحالة، لا يكون ترفاً فكرياً، بل شرطاً لبقاء المعنى (3).

لكن الإصغاء إلى النقد لا يعني التسليم بكل ما يقال. وهذه نقطة محورية في التفكير الإصلاحي الهادئ. فإن الإمام الشيرازي(قده) يميّز بوضوح بين النقد القائم على الأوهام أو الأغراض، وبين النقد الذي ينطلق من حرص صادق على الإصلاح. الأول يُربك ولا يبني، أما الثاني فهو طريق للتقدم المؤسسي والأخلاقي معاً. إن القدرة على هذا التمييز هي بحد ذاتها علامة نضج، لا ضعف (4).

وحين نقترب من المؤسسة الدينية تحديداً، تتضاعف حساسية هذا السؤال. فإن المؤسسة الدينية لا تعمل في فراغ إداري، بل في فضاء ديني ورمزي وأخلاقي شديد التأثير. تجاهل النقد داخل هذا النوع من المؤسسات لا يؤدي فقط إلى خلل إداري، بل قد يفضي إلى انحراف العلاقة بين الدين والناس، حين يُفهم الصمت على أنه رضا، أو تُفسَّر الطاعة على أنها قناعة.

ولهذا يؤكد الإمام الشيرازي(قده) أن المرجع الديني أو القائد الديني الذي يصغي إلى النقد البنّاء، يرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي، ويتحلّى بخلقٍ أصيل من أخلاق الإسلام، وهو احترام عقول الآخرين والاعتراف بإمكان الخطأ. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير القوانين أو الوجوه، بل من تحرير العقل المؤسسي من الخوف، ومن إعادة الاعتبار للسؤال بوصفه مدخلًا للفهم لا بوابة للفوضى (5).

في المحصلة، لا تواجه المؤسسات - الدينية وغير الدينية - أزماتها الكبرى بسبب كثرة النقد، بل بسبب ندرته. فـ حين يُغلَق باب الإصغاء، تُفتَح أبواب الانفصال عن المجتمع، ويتحول الدفاع عن الموقع إلى غاية بحد ذاته. أما حين يُستعاد النقد بوصفه ممارسة أخلاقية وعقلية، فإن المؤسسة الدينية تستعيد دورها الطبيعي .. دورها الذي يتمثل في خدمة الإنسان، وحماية المعنى، وقيادة الوعي لا مصادرته، إضافة الى حفظ الهوية الدينية الشيعية وإدارة الشؤون الشرعية والاجتماعية للطائفة.

----------------------

من آراء الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) في كتابه (المرجعية الإسلامية):

(1) "لابد للمرجع الديني أن يصغي بنفسه إلى جميع ما يوجه إليه من النقد، سواء أكان هذا النقد يستهدفه أم يستهدف جهازه من الوكلاء والخطباء والمؤلفين ومن أشبه ممن يدور في فلكه، فالإصغاء المستمر إلى النقد، ومحاولة تفادي بعض الأخطاء التي يمكن تفاديها، يوجب إصلاح المرجع وإصلاح جهازه" (ص38). ويقول(قده): "عدم التفات المرجع الديني إلى صوت الناقدين المخلصين سيوجب تراكم الأخطاء، وأحياناً يتسبب ذلك في انحراف الجهاز، الأمر الذي سيؤدي إلى انحراف الناس" (ص38).

(2) "قيادة الأمة بلا تفكير تعني الفشل الذريع، ومن يعطل جهاز تفكيره تستولي عليه الحاشية، فتسيره بدلاً من أن يسيرها، وهذا هو من أخطر ما يبلغه الإنسان، حيث يتحول إلى واجهة يستفيد منها الآخرون" (ص24).

(3) "على المرجع الديني أن يقيس عمله بالهدف الكبير والواسع، وإلا فإنه سيحصر نفسه في نطاق ضيق" (ص26).

(4) "لا يعني أن كل ما يوجه إلى المرجع الديني أو حاشيته من نقد هو حق يجب الإصغاء إليه والاعتناء به، فبعض هذه الانتقادات لا أساس لها، وإنما هي أوهام، لكن هناك نقدا ينطلق من قلب إنسان صادق، وهذا هو النقد البناء الذي يجب الاستماع إليه والإصغاء إليه، لأنه سيكون طريقاً إلى تقدم المرجعية الدينية، وبالتالي وسيلة إلى تقدم الإسلام والمسلمين" (38).

(5) "المرجع الديني الذي يستمع إلى النقد سيرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي وعدم الاعتناء بآراء الآخرين, وسيتصف بصفة أخلاقية هي من صميم الإسلام، وهي احترام آراء الآخرين والاعتناء بما يقولون عندما يكون ذلك بناءً" (ص38).