شعبان شهر الإصلاح .. ميثاق الانتظار وخصال المنتَظرين




شعبان هو شهر الإصلاح لاقترانه بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر (عجل الله ظهوره)

 

موقع الإمام الشيرازي

7 /  شعبان / 1447

﴿ولتنظر نفس ما قدّمت لغد﴾ (الحشر: 18)

لا يستقيم انتظار المصلح الموعود مع مهادنة الظالمين أو الصمت إزاء الفاسدين

 

يطلّ علينا شهر شعبان، ليس فقط كفترة زمنية للاحتفاء، بل كمحطة كونية للإصلاح؛ فبين طياته نَسيمُ مولد المصلح الموعود، الهادي المبارك، الإمام المهديّ المنتظر (عجل الله فرجه). لكن، وفي ظل واقعنا المأزوم إيمانياً، سياسياً، واقتصادياً، يبرز السؤال: هل يكفي التفاخر بالانتماء لخط الانتظار، أم أن الانتظار موقف وسلوك ومسؤولية؟

يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق" (الغَيْبَة للنعماني: ص200). إنها دعوة صريحة لتحويل "الانتظار" من حالة ركود وترقب، إلى ورشة عمل أخلاقية كبرى.

إن الإصلاح المجتمعي يبدأ بـ "خلوة مع الذات" لإبرام عقد تصالح جديد. لا يمكننا انتظار المصلح ونحن غارقون في خلل السلوك اليومي. لذا كان تحذير الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) قاطعاً: "ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإنْ عمل سيئاً استغفر الله" (وسائل الشيعة: ج16 – ص95). هذه المحاسبة هي ميزان المتقين، كما وصفها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: "لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمِن حلال أو من حرام. يا أبا ذر، من لم يُبال من أين اكتسب المال؛ لم يبال الله من أين أدخله النار" (بحار الأنوار: ج74 - ص86).

الانتماء لأهل البيت (عليهم السلام) ليس مجرد عاطفة جياشة أو اعتقاد بكرامتهم، بل هو "منهج حياة". لقد رسم الإمام محمد الباقر (عليه السلام) لجابر الأنصاري حدود الهوية الشيعية الحقيقية قائلاً: "يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة، والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء" (الكافي: ج2 - ص74).

إذن؛ ماذا يريد الإمام المنتظر منا الآن؟

إن الخصال التي سيبايع عليها الإمام أصحابه وقت الظهور، هي ذاتها المطالب التي يترقب تجسيدها في شيعته وقت الغيبة. فإن إرادة الإنسان الخيّرة هي التي تعبر به من ضفة الأمنيات إلى شاطئ النجاة. رُوي أنه بعد أن يجمع الله أصحاب الإمام المهدي فيحضرون عنده، يبيّن لهم الإمام (عجل الله فرجه الشريف) أنه لن يقطع أمراً حتى يبايعوه على خصال. وهذه الخصال التي يريدها الإمام في أصحابه، بعد ظهوره، هي الخصال نفسها التي يريدها في شيعته وهو في غيبته، يقول الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في بنود عهده ووصاياه: "لا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا محرماً، ولا تأتوا فاحشة.. ولا تأكلوا مال اليتيم، ولا تشهدوا بغير ما تعلمون.. ولا تسفكوا دماً حراماً، وليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبّتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة" (شرح إحقاق الحق: ج29 - ص 570).

إن ما يعيشه واقعنا اليوم من أزمات طاحنة -روحياً وأخلاقياً وسياسياً واقتصادياً- ليس ناتجاً عن قلة في الشعائر ولا نقص في المساجد والحسينيات والقنوات الدينية، بل عن تلك الفاصلة العميقة والخطيرة بين "التدين الشكلي" المكتفي بالطقوس والمظاهر والشعارات، وبين "التدين الحقيقي" القائم على السلوك والموقف والمسؤولية. لقد أصبح الاستعراض بالانتماء لخط الإمام المهدي (عجل الله فرجه) غاية عند البعض، بينما غاب الجوهر الذي قامت عليه حركة أهل البيت (عليهم السلام).

هذا الانفصام بين ما نؤمن به وبين ما نمارسه هو السبب الأبرز في صناعة واقعنا المأزوم؛ فإن المجتمع الذي يحتفي بالمصلح الموعود لكنه يغض الطرف عن أكل مال اليتيم، أو يشهد بغير الحق، أو يخون الأمانة، أو يتهاون في المسؤولية، هو مجتمع يعيش تناقضاً يعيق حركة الإصلاح الكبرى.

لذا، فإن أعظم احتفاء بذكرى مولد المصلح الموعود ليس في تزيين الشوارع فحسب، بل في تزيين النفوس بالورع. وإن الإمام الذي يترقب ظهورنا كـ "أنصار" يدعونا الى ممارسة تعكس ميثاقه: "لا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تأكلوا مال اليتيم.. وليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبّتنا".

وهكذا، في ذكرى مولد المصلح المنتَظَر، لنجعل من ورعنا "ممهداً" حقيقياً لظهوره، ومن أخلاقنا في المعاملة والنزاهة والعدل "بيعة" له قبل اللقاء .. لنتيقن تماماً أن الإسلام/التشيع عمل وتطبيق، لا مجرد شعارات تُرفَع في المواسم وتنسى في تفاصيل الحياة. وإن النجاة والكرامة لا تُنال بالتمنّي، بل بالعزم على ردم الفجوة بين الإيمان والواقع، لنكون حقاً ممن "سرّه أن يكون من أصحاب القائم" (الغَيْبَة للنعماني: ص200).