المؤسسة الدينية بين الجمود والتجديد ( 1 )




شعبان هو شهر الإصلاح لاقترانه بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر (عجل الله ظهوره)

 

موقع الإمام الشيرازي

5 / شعبان / 1447

 

 

تقاس قوة أي مؤسسة بقدرتها على الإقناع لا بالضغط والإكراه، وبقدرتها على إنتاج المعنى قبل إنتاج القرار. فإن المؤسسة الناجحة ليست تلك التي تفرض مخرجاتها على الناس، بل التي تجعل الناس يفهمونها، يقتنعون بها، ويرون فيها تعبيراً عن مصالحهم وقيمهم في آن واحد. ولهذا، فإن مخاطبة العقل والعاطفة معاً ليست ترفاً مؤسسياً، بل شرطاً من شروط البقاء والفاعلية.

في هذا السياق، يلفت المرجع الديني المجَدِّد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) إلى أن: "المؤسسة الناجحة هي القادرة على إقناع الناس بمواقفها ومخرجاتها، وهذا لا يتم إلا بمخاطبة الجانب العقلي والعاطفي للإنسان" (الاقتصاد بين المشاكل والحلول: ص58).

وهو توصيف يتجاوز الإطار الديني ليضع معياراً عاماً لأي عمل مؤسسي حي وناضج وفاعل ومؤثر، إذ لا يمكن لأي مؤسسة أن تؤدي دورها إذا انفصلت عن وعي وحاجة المجتمع الذي تتحرك فيه.

ولا تقوم المؤسسات، كما لا تقوم الدول، إلا بالفعل العقلي المنظّم. فإن التفكير ليس عنصراً مكملاً للعمل المؤسسي، بل أساسه، ولذلك يقول(قده) بوضوح: "لا تقوم لأمة من قائمة إلا بالتفكير، ولا تقوم المؤسسات ولا الدول إلا عبر التفكير، وعلى أيدي المفكرين" (المرجعية الإسلامية: 24).

وحين يغيب التفكير، تتحول المؤسسات إلى هياكل إدارية خاوية، تدار بالعادة والخوف والتقليد، لا بالرؤية والاستشراف.

المشكلة تبدأ حين تتحول المؤسسة إلى كيان كابت، يخشى السؤال، ويتوجس من النقد، ويعتبر الاختلاف تهديداً لا فرصة. في هذه الحالة، لا يعود الجمود عارضاً، بل يصبح سمة بنيوية. ولهذا يحذر الإمام الشيرازي (قدس سره) من أن: "العامل في المؤسسات الكابتة لا يكون إلا جامداً متحجراً" (فقه السياسة. ج1 - النسخة الإلكترونية). فإن الجمود لا ينتج إلا مزيداً من الجمود، والانغلاق لا يفضي إلا إلى العزلة، سواء عن المجتمع أو عن العصر.

وحين نقترب من المؤسسة الدينية تحديداً، تتضاعف خطورة هذا المأزق .. والمقصود من "المؤسسة الدينية" هي المؤسسات الدينية عامة؛ سواءٌ أكانت فقهية أو ثقافية أو خيرية. فإن المؤسسة الدينية، بحكم موقعها الإيماني والرمزي والأخلاقي، لا تقاس فقط بكفاءتها الإدارية، بل بقدرتها على مواكبة تحولات العقل الإنساني، وتطور المعرفة، وتغير أسئلة الإنسان المعاصر، إضافة الى مظلومية الناس وحاجاتهم وتحديات الحياة. وإذا تحولت إلى مؤسسة تخشى التفكير، أو بعيدة عن واقع الناس، أو تنظر إلى تطورات العقل والعلم والتكنولوجيا بعين الريبة لمجرد الاختلاف، فإنها لا تعزل نفسها عن العصر فحسب، بل تربك علاقتها بالمجتمع الذي تزعم خدمته.

الدين، في جوهره، لا يعادي العقل، ولا يناقض التفكير، بل يفقد معناه حين يُختزَل في منظومات مغلقة تخاف من السؤال وتضيق بالاختلاف. بالتالي، المؤسسة الدينية، إنْ أرادتْ أن تبقى فاعلة ومؤثرة، لا بد أن تنتقل من منطق حراسة القيم إلى منطق هداية الناس، ومن الدفاع عن الشكل إلى صيانة الجوهر.

وهكذا؛ فإن أزمة المؤسسات، الدينية منها وغير الدينية، ليست في نقص النصوص أو القوانين، بل في غياب العقل المؤسسي، وفي الخلط بين الموقع (المنصب/السلطة) والمعنى، وبين السيطرة والهداية. وحين يستعاد التفكير بوصفه أداة بناء لا تهديداً، يمكن للمؤسسة أن تعود إلى دورها الطبيعي؛ وهو خدمة الإنسان لا إخضاعه؛ وقيادة الوعي لا تجميده.

ويوضح الإمام الشيرازي الراحل(قده) أن نجاح المرجعية مرهون بصلتها الوثيقة بالناس/ الشعب/ الأمة، وذلك عبر:

* تعزيز الوَعي الجماعي؛ من خلال نشر الثقافة القرآنية، والتعريف بعلوم آل محمد (عليهم السلام).

* الاستجابة لحاجات الناس؛ مثل الدفاع عن المظلومين، ومد يد العون والرحمة للمحرومين والمرضى والأرامل واليتامى.

* العدالة الاجتماعية؛ عبر محاربة الفقر عبر توزيع الزكاة والخمس بحكمة وعدل.

ويؤكد(قده) أن المرجع الديني الناجح هو مَنْ: "يجعل الناسَ يشعرون بأنه أبٌ روحي لهم" (المرجعية الإسلامية: ص 92)