بَلِّغْ .. ليس مِنْ شيعتنا مَنْ يظلم الناس




شهر شعبان هو شهر الإصلاح حيث يعبق بذكرى مولد المصلح الموعود والهادي المبارك والمهديّ المُنتَظَر (عجل الله ظهوره)

موقع الإمام الشيرازي

1 / شعبان / 1447

 

وصية وامتحان أخلاقي دائم

 

في وصيته العميقة لعبد الله بن جندب، يضع الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أساساً أخلاقياً صارماً للدين، يبدأ من محاسبة النفس قبل أي ادّعاء، فيقول (عليه السلام): "حقٌّ على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه… فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيئة استغفر منها" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). بهذه المحاسبة اليومية، يقطع الإمام الطريق على التدين الشكلي، ويجعل السلوك ميزان الانتماء. هنا، يوصي الإمام بأن يعرض الإنسان عمله على نفسه، لا على خطابه ولا شعاراته ولا على جمهوره، فيستزيد من الخير ويستغفر من الشر. هنا، يُسقِط الإمام أول ستار عن وهم شائع وهو: أن التدين يقاس بما نظهره، لا بما نفعله، فإن الدين، في جوهره، مسؤولية أخلاقية مستمرة، لا تبرير دائم للذات.

ثم يحذر الإمام من الاغترار بزينة الدنيا، ولا سيما حين تكون في يد الخاطئين أو الظالمين أو الفاسدين: "طوبى لعبدٍ لم يغبِط الخاطئين على ما أوتوا من نعيم الدنيا وزهرتها .. ولم تُلهِه الأماني الكاذبة" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). هنا، الإمام يفكك فتنة السلطة والنعيم، حين يحذّر من الاغتباط بما أُوتي الظالمون من زخرف الدنيا. فإن الانبهار بغلبة أو سطوة المستبد أو الظالم هو أول أشكال التواطؤ معه. والبحث عن الآخرة، كما يقدمه الإمام، ليس انسحاباً من الواقع، بل تحرراً من سحر الامتياز غير العادل، ومن الأماني الكاذبة التي تخدّر الضمير.

وتبلغ الوصية ذروتها حين يربط الإمام بين العدالة الاجتماعية ومصير الأمم: "وما عذّب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). هنا يصبح الفقر، والحرمان، وترك المظلومين بلا نصير، علامة سقوط أخلاقي جماعي، لا مجرد خلل اقتصادي. فالمشكلة لا تبدأ حين يُقمع الناس فقط، بل حين يُبرَّر قمعهم، أو يُنسى وجعهم.

ويحذّر الإمام من طرفي الانحراف الأخلاقي، فيقول (عليه السلام): "يهلك المتكل على عمله، ولا ينجو المجترئ على الذنوب الواثق برحمة الله" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). فإن النجاة، كما يوضح الإمام، هي طريق التوازن، فيقول (عليه السلام): "الذين هم بين الرجاء والخوف" بالتالي، المؤمنون – حقيقة - لا يأمنون مكر أنفسهم، ولا يتخذون الدين ذريعة للطمأنينة الزائفة.

ثم يربط الإمام بين الإيمان الحقيقي والعدالة الاجتماعية ربطاً مباشراً، فيقول (عليه السلام): "الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة… وما عذّب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). فإن الظلم الاجتماعي ليس تفصيلاً ثانوياً، بل سببٌ لانهيار الأمم.

ويختم الإمام وصيته بحدّ قاطع وفاصل لا لبس فيه ولا يقبل التأويل: "بلّغ شيعتنا .. فوالله لا تُنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الإخوان… وليس من شيعتنا من يظلم الناس" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). إنها جملة قاطعة، تُسقِط كل ادعاء مذهبي لا يمر عبر ميزان العدالة. فإن التشيع، وفق هذا المنطق، ليس هوية سياسية ولا غطاء سلطوياً، بل التزام عملي بالورع، والاجتهاد، ومواساة الناس، والامتناع المطلق عن الظلم. بالتالي، هنا تتجلى الخلاصة الأخلاقية للدين .. الظالم هو ظالم أياً كان موقعه وانتماؤه وهويته ومذهبه ودينه. ومن دون هذا الميزان، يتحول الدين من رسالة عدل إلى غطاء للقهر، ومن وصية للضمير إلى أداة بيد الأقوياء.

وهكذا؛ في هذا الزمن، وفي خضم ما جرى ويجري، وفي هذا الشهر، شعبان شهر الإصلاح، فإن استعادة هذه الكلمات الجعفرية ليست فعل وعظ مجرد، بل محاولة لإنقاذ للضمير، وتذكير بأن الصمت على الظلم، أو التعايش معه، أو تبريره، هو خروج صريح عن جوهر الدين، مهما كانت الرايات المرفوعة.