
|
من السماء إلى الأرض .. الإسراء والمعراج قيمة إيمانية ومشروع أخلاقي |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 27 / رجب / 1447
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الأسراء 1)
إنما بُعِث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ليتمم مكارم الأخلاق. بالتالي، فإن ذكرى الإسراء والمعراج تعني فيما تعني دعوة لمراجعة أخلاقية شجاعة: أين موقع مبادئ الإسلام؛ حفظ حقوق الناس، واحترام حريات الشعب، ونصرة المظلوم، وغوث المكروب، وعون الضعيف والمحروم؛ وأين قيم الإسلام؛ الصدق، والعدل، والأمانة، والأمانة، والرحمة، والمسؤولية؛ أين كل تلك المبادئ والقيم في سياساتنا، ومجتمعاتنا، وعلاقاتنا اليومية؟
لم تكن حادثة الإسراء والمعراج مجرد انتقال خارق في الزمان والمكان، ولا واقعة غيبية تهدف إلى إدهاش العقول، بل كانت ـ في جوهرها ـ كشفاً أخلاقياً ومعرفياً عن معنى الرسالة، وحدود الإنسان، ووظيفة النبوة في التاريخ. فالقرآن الكريم، وهو يفتتح سورة الإسراء المباركة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾، يؤكد منذ البداية أن العبودية الخالصة هي شرط العروج، وأن القرب من الله لا يُنال بالسلطة ولا بالقوة، بل بنقاء الإنسان ومسؤوليته الأخلاقية. روى الصدوق في علل الشرائع، عن ثابت بن دينار: قال سألت الإمام عليّ زين العابدين (عليه السلام) عن الله جلّ جلاله هل يوصف بمكان؟ فقال: "تعالى عن ذلك". قلنا: فلم أسرى نبيّه إلى السماء؟ قال: "ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه" (الأمالي: ص214). ما يعني أن الإسراء لم يكن لأن الله في مكان، ولا لأن السماء أقدس من الأرض، بل «ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه». وفي حديث آخر عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبي الحسن موسى ابن جعفر: لأيّ علّة عرج الله نبيّه إلى السماء ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هناك، والله لا يوصف بمكان؟ فقال (عليه السلام): "إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته ويريه من عجائب عظمته ويخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبّهون. سبحان الله وتعالى عمّا يشركون" (بحار الأنوار: ج3 - ص315). بالتالي، فإن الإسراء ليشهد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) عالم القيم العليا، ثم يعود بها إلى الأرض، فإن المعراج لم يكن هروباً من الواقع، بل إعداداً أخلاقياً لتحمّل أثقاله. وفي هذا السياق، رُوي عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "ليلةَ أُسرِيَ بي، ما سألتُ ربّي شيئاً إلاّ أعطانيه، وسمعتُ منادياً مِن خلفي يقول: يا محمّد، (إنّما أنت مُنذِرٌ ولكلِّ قومٍ هادٍ)(الرعد:7). قلت: أنا المنذر، فَمَن الهادي؟ قال: عليٌّ الهادي المهتدي، القائد أمّتَك إلى جنّتي، غَرّاء مُحَجَّلين برحمتي" (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل للحافظ الحاكم الحسكاني الحنفي: ج1 – ص385). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "رأيتُ ليلةَ أُسريَ بي إلى السماء على العرش مكتوباً: لا إله إلاّ أنا وحدي لا شريك لي، ومحمّدٌ عبدي ورسولي، أيّدتُه بعليّ. فذلك قوله: (هُوَ الَّذي أيَّدَك بِنصرِهِ وبالمؤمنين)" (شواهد التنزيل للحافظ الحاكم الحسكاني الحنفي: ج1 – ص292). وعن أنس بن مالك قال: قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): "لمّا عُرِج بي رأيتُ على ساق مكتوباً: ـ لا إله إلاّ الله، محمّدٌ رسول الله، أيّدتُه بعليّ، نصرتُه بـ عليّ" (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 173:11، شواهد التنزيل للحافظ الحاكم الحسكاني الحنفي: ج1 – ص293). وهكذا، تتكرر في روايات المعراج دلالة واضحة؛ وهي أن الرسالة لا تنفصل عن الهداية، ولا عن الامتداد القيمي بعد النبي. فإن اقتران اسم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مشاهد المعراج، كما تذكر الروايات، ليس تعبيراً عن قرابة شخصية، بل عن استمرار مشروع قيمي؛ قيم العدل، والصدق، والأمانة، والزهد في الدنيا. وهي ذات القيم التي لخّصها النبي الأكرم الأعظم (صلى الله عليه وآله) في وصاياه الأخلاقية، حين جعل الصدق، والورع، والقناعة، ومحاسن الأخلاق معيار القرب من الله، لا كثرة الشعارات ولا مظاهر التدين. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: فإن النبي الذي عُرِج به ليشهد ملكوت القيم، قال بوضوح: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، بينما تعكس مؤشرات الواقع الإسلامي اليوم ـ سياسياً وقيادياً ومجتمعياً ـ صورة مغايرة؛ حيث تتسع الفجوة بين الدين بوصفه أخلاقاً، والدين بوصفه هوية أو سلطة. تتضخم الخطابات، وتضمر القيم؛ تُرفَع الرايات، وتُهدَر كرامة الإنسان؛ يُستدعى الدين في الصراع، ويُغيَّب في العدالة. إن استذكار الإسراء والمعراج، في هذا الزمن تحديداً، لا ينبغي أن يكون طقساً احتفالياً معزولاً عن الواقع، بل مراجعة أخلاقية شجاعة: ماذا بقي من معراج القيم في حياتنا العامة؟ وأين موقع الصدق، والعدل، والمسؤولية، والرحمة، في سياساتنا، ومجتمعاتنا، وعلاقاتنا اليومية؟ فإن المعراج يعني فيما يعني للمؤمنين والمؤمنات ارتقاء السلوك في الأرض، فإنه حين تنفصل العبادة عن الأخلاق، يتحوّل الدين من رسالة إصلاح إلى غطاء للأزمة. لذلك؛ في ذكرى الإسراء والمعراج، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الأمة: هل نكتفي بسرد المعجزة، أم نجرؤ على استعادة معناها؟ وهل نحتفل بالصعود، أم نلتزم بشروطه الأخلاقية؟ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|