بين الجد المرتضى والحفيد الكاظم .. مبدأ مواجهة الظلم ومساءلة الواقع الشيعي




لم يختر الإمام الكاظم العنف لكنه لم يختر الصمت،

فإن الخصومة مع الظالم واجب لا خيار؛ ونصرة المظلوم فريضة لا شعار

 

موقع الإمام الشيرازي

24/ رجب / 1447

 

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (الكهف: 59)

قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة" (الكافي: ج2 – ص332)

 

تمر ذكرى شهادة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في الخامس والعشرين من شهر رجب، وهو الإمام الذي رحل مسموماً في سجن السندي بن شاهك سنة 183هـ، بعد ثلاث عشرة سنة من الاعتقال بأمر هارون العباسي. لم يكن سجنه حدثاً عارضاً في سيرة رجل صالح، بل كان نتيجة مباشرة لمنهج أخلاقي - سياسي رافض للظلم، وموقف ثابت من الاستبداد، امتدّ في جذوره إلى جدّه الأعلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

لم يكتف الطغيان العباسي بسجن الإمام الكاظم وقتله، بل حاول ـ بعد شهادته ـ اغتياله رمزياً، حين أُمر أن يُطاف بجثمانه في بغداد بثوبٍ خَلِق، وينادى: "هذا إمام الرافضة فاعرفوه". لم يكن النداء توصيفاً دينياً بقدر ما كان اتهاماً سياسياً؛ فالرافضة، في منطق السلطتين الأموية والعباسية، هم أولئك الذين رفضوا شرعنة الظلم، وامتنعوا عن تحويل الاستبداد الى قدر ديني.

الظلم جريمة وجودية

في فكر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، لا يُختزَل الظلم في تجاوز إداري أو خلل عابر في الحكم، بل هو جريمة وجودية تهدد المجتمع والإنسان معاً. يقول (عليه السلام): "الظلم يزلّ القدم، ويسلب النعم، ويهلك الأمم" (غرر الحكم: ح1734).

في هذا التصور، فإن الظلم ليس فقط سبباً لسقوط الحكام، بل لانهيار المجتمعات نفسها. ولهذا ربط الإمام علي بن أبي طالب بين العدالة وبقاء الدولة، لا بين القوة والاستقرار. ومن هنا جاءت وصيته الخالدة، وهو على فراش الشهادة، لولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام): "كونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً" (بحار الأنوار: ج42 - ص256).

هذه الوصية الشامخة لا تُقرَأ بوصفها توجيهاً أخلاقياً فردياً فحسب، بل كبرنامج سياسي وأخلاقي وإنساني شامل يتجسد في أن الخصومة مع الظالم واجب، لا خيار؛ ونصرة المظلوم فريضة، لا شعار.

وجاء الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في زمنٍ تغيّر فيه شكل الاستبداد، لكنه لم يتغير في جوهره. فالعباسيون، الذين رفعوا شعار "الرضا من آل محمد"، انتهوا إلى ممارسة قمع أشد تعقيداً، مغلَّفاً بالدين والفقه ومغطى بالشرعية الشكلية.

في مواجهة هذا النمط من الطغيان الممزوج بالنفاق والخداع، لم يختر الإمام الكاظم العنف، لكنه لم يختر الصمت أيضاً. كانت مقاومته أخلاقية، وجودية، طويلة النفس. يقول (عليه السلام): "ما أحد أضعف ممن ظلم، ولا أحد أقوى ممن عفا" (بحار الأنوار،: ج75 - ص318).

العفو هنا ليس تبريراً للظلم، بل تعرية له؛ قوة أخلاقية تُسْقِط ادعاء الطاغية بالقوة، وتكشف هشاشته الداخلية. ولذلك يقول أيضاً: "الظلم يورث الذل" (غرر الحكم، ح10425).

فالظالم، مهما بدا متجبراً، محكومٌ بالذل في ميزان الدين والقيم والتاريخ، تماماً كما أن المظلوم ـ إن لم ينكسر أخلاقياً ـ يملك عناصر الانتصار الرمزي والإنساني.

رفض الظلم .. عبادة ومسؤولية

ما يجمع عليّاً بن أبي طالب بموسى الكاظم ليس النسب وحده، بل وحدة المبدأ والمنهج. كلاهما رأى أن مواجهة الظلم ليست موقفاً سياسياً ظرفياً، بل عبادة. وكلاهما رفض منطق "الضرورة السياسية" الذي يبرر الاستبداد باسم الاستقرار أو الدين أو المصلحة العامة.

الإمام أمير المؤمنين عليٌ بن أبي طالب واجه الظلم وهو في قمة السلطة، ودفع ثمن عدله قتلاً واغتيالاً.

والإمام موسى الكاظم واجه الظلم وهو في قاع السجن، ودفع ثمن صموده سُمّاً وقتلاً.

لكن رسالة الجد المرتضى والحفيد الكاظم واحدة؛ وهي لا شرعية لسلطة تقوم على القهر، ولا قداسة لحكم يدهس الإنسان.

وفي ضوء هذا التراث العَلَويّ - الكاظميّ، يفرض نفسه سؤال لا يبحث عن مجاملة ولا يحتمل إنكاراً: كم أصبح الواقع الشيعي ـ خطاباً وممارسة وإعلاماً وسلوكاً وسياسة ـ بعيداً عن هذه القيم؟

ليس السؤال: هل ابتعد الواقع الشيعي عن منهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والإمام موسى الكاظم؛ فذلك بات واضحاً في تبرير الظلم إذا صدر من "القريب"، وفي الصمت عن الاستبداد إذا كان "منّا"، وفي إدانة الظلم والقهر فقط عندما يكون الفاعل "آخر".

لذلك؛ السؤال الحقيقي هو: الى أي حد ابتعد الواقع الشيعي؟ وكم من "شيعة عليّ" اليوم يصطفون ـ عن وعي أو مصلحة أو خوف ـ في صف مَنْ كان علي بن أبي طالب خصماً لهم، وكان موسى الكاظم ضحية لسجونهم؟!

الواقع الشيعي اليوم، يبدو أنه ابتعد مسافات متفاوتة عن هذه القيم النقية، حيث تحولت في بعض الأحيان إلى شعارات تُردَّد دون أن تُتَرْجَم إلى ممارسة فعلية في الحكم والتعامل الاجتماعي والسياسي. فإن الفساد وتبرير الفساد، والتمييز وتلميع المحسوبية، وتقييد الحريات، وهتك الكرامة الإنسانية، والقمع العنيف للرأي الآخر، والخطف والاعتقال والقتل للمعارضين والمتظاهرين، والإفلات من العقاب، والانشغال بصراعات طائشة، وتردي التعليم وتزوير الشهادات الجامعية، وتفاقم مشاكل الفقر والبطالة والمخدرات، كلها مظاهر تتناقض مع القيم العَلَويّة الكاظِميّة التي تحث على نصرة المظلوم ومواجهة الظالم بلا هوادة، سواء كان ذلك الظالم فرداً أو مؤسسة أو فئة أو نظاماً.

وهكذا؛ فإن إحياء ذكرى الإمام المظلوم المسموم الشهيد موسى الكاظم لا يكون بالبكاء على مظلوميته فقط، بل أيضاً باستعادة مشروعه الأخلاقي، وبالعودة إلى تلك الوصية العلوية التي ما زالت غضة متوهجة: أن نكون خصوماً للظالم، وأعواناً للمظلوم .. مهما كانت الأسماء، ومهما كانت الرايات. وما لم يتحول هذا الميزان إلى معيار عملي وسلوك يومي، لا شعار موسمي، فإن المسافة بيننا وبين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والإمام موسى الكاظم ستبقى في اتساع، مهما ادّعينا القرب.

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(القصص: 83)