
|
من حكمة الأب إلى شموخ البنت .. النهج العلوي في حياة الحوراء |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 15/ رجب/ 1447
وقفت السيدة زينب في الكوفة ثم في دمشق، لا كسبية مكسورة، بل كحاملة قضية، حوّلت مجلس الطغيان إلى محكمة تاريخية، وأفرغت انتصار السيف من مضمونه أمام انتصار الكلمة والوعي
في الخامس عشر من شهر رجب، تنحني الذاكرة إجلالاً لامرأة كانت شاهدة على التاريخ، بل كانت هي التاريخ في أسمى تجلياته الأخلاقية. إنها الحوراء زينب بنت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليهم السلام)، التي لم تكن وريثة الدم فحسب، بل كانت تجسيداً عملياً لحكمة وكبرياء أبيها وسمو ورفعة أمها، ومناراً غيّر وجه التاريخ السياسي والاجتماعي. تشكل الشخصية منذ اللحظات الأولى لولادتها، لم يكن قدوم الحوراء زينب حدثاً عادياً. تروي السير أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) حين استقبل حفيدته، ضمها إلى صدره وبكى، لعلمه بما يخبئه القدر لها من بلايا. ومنذ ذلك الحين، نُحتت شخصية زينب في كنف "حكمة الأب"؛ فنهلت من علي بن أبي طالب بلاغته وشجاعته، وفلسفته في إحقاق الحق، وارتشفت من فخر فاطمة الزهراء وعزتها في الوقوف ضد الظلم ومقارعة الاستبداد، لتكون في نهاية المطاف "شقيقة الحسين الشهيد" في واقعة عاشوراء الدامية و"لسان عليّ بن أبي طالب" في محافل التحدي والمواجهة. لم تكن السيدة زينب (عليها السلام) مجرد بنت ورثت ملامح أبيها، بل كانت الوريثة الشرعية لمنهجه في الإصلاح. فـ إذا كان الإمام أمير المؤمنين قد أسس لـ "دولة الإنسان" القائمة على العدل والنزاهة، فإن السيدة زينب هي التي حمت "إنسان هذه الدولة" من الانكسار. هناك رابط بنيوي بين صرخة أمير المؤمنين في عهده للأشتر: "إما أخٌ لك في الدين، وإما نظيرٌ لك في الخلق"، وبين وقوف السيدة زينب في مجلس الطاغية لتدافع عن كرامة الإنسان المهدورة. لقد طبقت زينب "فقه القوة" العلوي؛ القوة التي لا تكمن في السيف، بل في سلطان المنطق والترفع عن إغراءات السلطة. وحين حذر الإمام أمير المؤمنين من أن "من طلب الخراج لغير عمارة أخرب البلاد"، كانت السيدة زينب في الشام تفضح النظام الذي استنزف كرامة الناس وجوعهم ليحكمهم بالخوف، فكانت هي "عمارة الروح" التي واجهت "خراب السلطة". شموخ الموقف في عام 61هـ، تجلى شموخ الحوراء (بنت عليّ وفاطمة) في أبهى صوره. لم تكن زينب تلك المرأة التي كسرها الحزن، بل كانت "جبل الصبر" الذي استمد ثباته من يقين علي بن أبي طالب، ومن مجد وسؤدد فاطمة. حاولوا إمعاناً في الإذلال إيقافها على أبواب القصور، لكنها حولت "مجلس الأسر" إلى "محاكمة للتاريخ"؛ فإنه بكلماتها المدويّة، أثبتت أن القوة المادية قد تقتل الجسد، لكنها لا تهزم المبدأ العلوي الراسخ في الصدور. المفارقة التاريخية اليوم، تتجلى مفارقة العدالة الإلهية؛ فأين العروش التي حاولت النيل من كبرياء السيدة زينب (عليها السلام)؟! لقد ذهبت إلى غياهب النسيان واللعن. وفي المقابل، يقف مرقد السيدة زينب في دمشق كعبة للقلوب، حيث يزدحم الملايين لا للبكاء فحسب، بل للتزود من فيض شموخها، مستحضرين وصية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "احفظوا هذه البنت (زينب) من أجلي .. اوصيكم بها، فإنها شبيهة جدتها خديجة الكبرى" (الخصائص الزينبية: ص42). وهكذا، فإن الانتماء للسيدة زينب اليوم يعني الاقتداء بـ "حكمة أبيها"؛ فإنه لا يستقيم ادعاء محبتها مع ممارسة الفساد أو السكوت عن الظلم. السيدة زينب تمثل "سبيل نبوة ومنهج إمامة"، وحياتها تراث إنساني ما غُرس في أرض إلا أثمر طيباً. لقد تحوّلت السيدة زينب الحوراء (عليها السلام) إلى رمز للثبات في وجه القهر، وللعقل والإيمان الذي يواجه الطغيان بالكلمة الصادقة والموقف الباسل. وكانت في الكوفة – مدينة أبيها - مدرسة في البلاغة والفكر والكرامة، وبُهِت الطغاة في الشام أمام خطابها الذي هزّ عروشهم؛ حتى قال المؤرخ المصري محسن قاسم: "لقد أفسدت السيدة زينب على ابن زياد وبني أمية لذة النصر، وسكبت السمّ الزعاف في كؤوسهم." وقال عنها ابن الأثير في الكامل: "كانت لبيبة، جزلة، عاقلة." أما ابن عنبة الحسني فكتب: "كانت زينب في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى وأمّها الزهراء". وقال فريد وجدي في دائرة المعارف: "لها أشرف نسب، وأجلّ حَسَب، وأكمل نفس، وأطهر قلب، فكأنها صيغت في قالب وضمّخت بعطر الفضائل". وقال الكاتب عمر أبو النصر: "كانت من فضليات النساء وشريفات العقائل، ذات تقى وطهر وعبادة". |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|