السيدة فاطمة الزهراء .. في ذكرى مولدها والانتماء لقيمها




 

التديّن عند السيدة فاطمة الزهراء انتصار للعدالة، وإطعام الجائع بصمت وكرامة، ومقارعة الظلم بكلمة لا ترتجف، ومواجهة الفساد دون أي مساومة

 

موقع الإمام الشيرازي

19/ جمادى الآخرة/ 1447

 

 

السيدة الزهراء (عليها السلام): "ليسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا" (تفسير الإمام العسكري: ص308)

-------------------------

في ذكرى مولد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، يجدر ألاّ نقف عند محطة الاحتفاء العابر، بل نقف أمام سيرة شاملة لشخصية تربعّت على عرش السمو والقداسة والقدوة. وإن المزايا والملكات الفريدة التي حباها الله بها، جعلتها سيدة لنساء العالمين من الأولين والآخرين، وجعلت محبة الناس لها أمراً فطرياً ينسجم مع قوانين العقل ونداء الضمير الإنساني.

ما وراء صورة السيدة الباكية

ومن الأهمية بمكان تصحيح النظرة التي قد تختزل شخصية فاطمة الزهراء في مجرد سيدة حزينة، وباكية، ومنزوية عند قبر أبيها. هذه الصورة، وإن كانت تعكس جزءاً من مرارة الفقد ومعاناة الظلم بعد رحيل الأب العظيم والنبي المصطفى (صلى الله عليه وآله)، فإنها لا تمثل حقيقة دورها الشمولي والقيادي.

إن "انزواء" السيدة الزهراء؛ الظاهري، لم يكن ابتعاداً عن شؤون الأمة أو عدم اكتراث بوقائعها المتسارعة، بل كان رأياً جهادياً/سياسياً وموقفاً شرعياً/أخلاقياً لافتاً. لقد كان هذا الانزواء الصامت احتجاجاً بليغاً وشاهداً صارخاً على خطورة المسار الذي اتخذته الأمور آنذاك، ودعوة صريحة للضمير الإسلامي للتحرك لرفض الانحراف وتحجيم مساحة تأثيره، وهكذا، كانت (عليها السلام) في كلمتها موقفاً إيمانياً بطولياً وفي صمتها خطاباً توعوياً وتصحيحياً عميقاً.

السيدة الزهراء .. صانعة الحياة

نشأت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في بيت الوحي والنبوة، وقد سمع المسلمون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: "فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني، ومن سرّها فقد سرّني" (بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج43 - ص39). وقوله (صلى الله عليه وآله): "إنّما سُمِّيتْ فاطمةُ فاطمةَ لأن الله فَطَمَ من أحبّها من النار" (علل الشرائع للشيخ الصدوق: ج1 - ص178). وغيرها من الأحاديث التي لم يأت مثلها في غير فاطمة الزهراء قط، وقد نقل تلك الأحاديث أهم وأشهر مصادر الحديث عند السنة والشيعة.

وعلى الرغم من كل التحديات والظروف المعقدة التي أحاطت بها بعد رحيل أبيها، بقيت السيدة فاطمة الزهراء منبعاً للحياة وصانعة لها في بيتها ومحيطها؛ إذ إنها (عليها السلام):

كانت للنبي الأعظم والأب الأكرم بهجة روحه و"أم أبيها" في وقت الشدة والمحن، وكانت كما قال (صلى الله عليه وآله): "قلبي وروحي التي بين جنبيَّ" (فرائد السمطين: ج2 – ص66).

وكانت للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) البلسم الشافي لجراحاته، وشريكته الصابرة في أصعب أيام الدعوة.

وكانت للإمامين السبطين الحسن والحسين (عليهما السلام) الأم والمربية التي غرست فيهما قيم الإسلام ومكارم الأخلاق، فكانا سيدي شباب أهل الجنة.

بالتالي، كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) سيدة علم وفقه وإصلاح وتربية وأسرة، جمعت بين المسؤولية الإيمانية والرسالية بوصفها حاملة أمانة النبوة وراعية الإمامة، وبين دورها العملي كـ دين وحركة تصحيح في آن واحد.

الانتماء الحقيقي

إن الاحتفاء بذكرى مولد سيدة الورع والتقى، والنبل والإباء، لا يستقيم بمجرد المحبة أو الافتخار بها نسباً وحسَباً وديناً وموقفاً. بل إن الانتماء إلى مدرسة السيدة الزهراء يتحقق من خلال:

* الاقتداء بمواقفها التي لا تفصل بين العقيدة والعمل، ولا بين الواقع والعبادة.

* تطبيق أخلاق الإسلام ومبادئه التي تجعل من مقارعة الظلم، وإقامة العدل، أركاناً إيمانية لا يمكن التهاون فيها.

وفي المقابل، فإن الإسلام الذي حملت السيدة الزهراء أمانته، يقدم منهجاً حياتياً وقيمياً كاملاً، وما يعيشه المسلمون اليوم من أزمات إلا مصداق للابتعاد عن جوهر هذا الإسلام الذي ما تُرِكَ منه حرف إلاّ وأحوجنا الله إليه. فهل يعقد المؤمنون والمؤمنات العزم، وهم يحتفون بذكرى هذه القدوة العظيمة، على الشروع في تغيير أحوالهم نحو الأحسن، مستلهمين من السيدة الزهراء روح الثبات، والتضحية، والحكمة، والبطولة، ليحولوا إيمانهم إلى فعل وعطاء في أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم وأوطانهم؟

توفيت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) شابة في السنة 11هـ، تاركة إرثاً من الفضائل. وقد حمل التراث الإسلامي، أخباراً وقصصاً عن كرمها، مثل إطعام الأيتام رغم الجوع، وعن صبرها على الفقر مع الرضا بالقضاء، وعن مقارعة الظلم رغم البطش. أيضاً، تتحدث مصادر المسلمين (سنة وشيعة) عن عبادتها الخالصة، وعن صبرها على المصائب، وعن دفاعها عن الحق بعد وفاة أبيها الأكرم (صلى الله عليه وآله).

وهكذا، فإن مواقف سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء البتول (عليها السلام)، يجعل من سيرتها مصدر إلهام يرسخ الإيمان ويصقله، ويحفز على اتباع طريق الخير والعدل والمعروف، وقدوة تجمع بين الدور العائلي والاجتماعي، وتؤكد أن الكمال الإنساني متاح للجميع من خلال الأخلاق.

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(القصص: 83)