الشهيد الشيرازي .. إسلام العدالة لا إسلام السلطة




الإسلام الذي تسمو به السلطة لا الذي تتسلّط باسمه السلطة

 

موقع الإمام الشيرازي

15/ جمادى الآخرة/ 1447

 

في مثل هذه الأيام، تحضر سيرة رجل لم يكن مجرد فقيه أو مفكر، بل كان مشروعاً نهضوياً تشكّل من الإيمان والإرادة والوعي والشجاعة والإنسانية. أربعة عقود مضت على استشهاد الفقيه والمفكر والشهيد، آية الله السيد حسن الحسيني الشيرازي (قدس سره)، وما تزال آثاره الفكرية والمؤسساتية تنبض في الذاكرة الإسلامية كأنها حدث اليوم.

لقد حمل(قده) همّ الإسلام الأصيل؛ الإسلام الذي بشَّر به النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وجسَّده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) نموذجاً حياً للعدالة الاجتماعية والزهد السياسي والسمو الأخلاقي والرقيّ الإنساني، ذلك الإسلام الذي تسمو به السلطة لا الذي تتسلّط باسمه السلطة. كان هذا جوهر مشروع الشهيد الشيرازي؛ وهو إعادة الإسلام إلى ساحته الطبيعية، ساحة الحرية والعدل ومكارم الأخلاق وكرامة الإنسان.

كان الشهيد الشيرازي يؤمن بأن الرسالة المحمدية ليست نصوصاً تُقرَأ فحسب، بل منهجاً يُطبَّق. كان يشير إلى نهج الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كمرآة ناصعة للحكم الرشيد ..

الإمام الذي لم يأكل اللحم في خلافته إلا يوم العيد، خشية أن يكون في أطراف البلاد من لم يذق الشبع.

الإمام الذي قال: "هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص، ولا عهد له بالشبع، أو أن أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى" (نهج البلاغة).

الإمام الذي سكن كوخاً ملاصقاً لقصر الإمارة، لأن السلطة عنده مسؤولية وليست امتيازاً.

هذه الرؤية للدين التي تُحرّر الدين من قبضة الحكومات الجائرة جعلت الشهيد الشيرازي هدفاً لنظام مستبد يرى في الفقيه الحرّ خصماً له، وفي الكلمة الصادقة تهديداً لعرشه.

من السجن إلى الشهادة

أحد عشر عاماً فصلت بين سجنه واستشهاده(قده)، لكنها كانت كافية ليؤسس حركة نهضوية غطت عدة بلدان. ففي لبنان، أسس مدرسة الإمام المهدي الدينية، وهي أول مركز يستقبل طلبة من أفريقيا، عادوا بعدها دعاة ومبلغين، ناشرين نور أهل البيت (عليهم السلام) في مناطق لم يصلها الفكر الشيعي من قبل.

وفي سوريا، أشرف على تأسيس الحوزة العلمية الزينبية، التي أصبحت رئة فكرية وروحية للوافدين من بلاد عربية إسلامية، وصرحاً ساهم في حفظ الهوية الإسلامية في واحدة من أدق مراحل التاريخ المعاصر.

ورغم كل انشغالاته الحوزوية والسياسية والجهادية، لم يهجر القلم.

فقد كتَبَ موسوعة في الحديث والرواية، وتضم في أجزائها الـ(خمسة وعشرين) الأحاديث القدسية، وأحاديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وروايات أمير المؤمنين والسيدة الزهراء والأئمة المعصومين والسيدة زينب (عليهم السلام)، وربيبات الرسالة، وأقوال الأنبياء (عليهم السلام) والحكماء، والأصحاب: ابن مسعود، أبو أيوب الأنصاري، أبوذر الغفاري، أبو رافع، أبو سعيد ألخدري، أبو طالب، أبو رافع، جابر بن عبد الله الأنصاري، حذيفة بن اليمان، وغيرهم من الأصحاب الصالحين. ومن مؤلفاته أيضاً: (خواطري عن القرآن 3 أجزاء)، (حديث رمضان)، (العمل الأدبي)، (الأدب الموجه)، (منابع الكلمة)، (التوجيه الديني)، (الاقتصاد الإسلامي)، (الشعائر الحسينية)، (الاشتقاق)، (حكم متنوعة).

كان(قده) يعيش في سباق مع الزمن؛ كأنّه يدرك أن المسافة بينه وبين الشهادة ليست طويلة، فيكتب وكأنه يكتب آخر ما سيصل منه إلى الناس. وكان إيمانه بالعمل الرسالي يفوق حدود المؤسسات؛ حيث سعى لإعادة إعمار البقيع، وكادت جهوده أن ترى النور لولا عوائق ذوي المصالح الضيقة وتعقيدات سياسية وطائفية.

التغيير وروح النهضة

نال الشهيد الشيرازي شرف العلم وشرف الشهادة، وكان من أوائل المفكرين الإسلاميين الذين زُجّوا في أقبية "قصر النهاية" سيء الصيت، حيث مورست بحقه أبشع أساليب التعذيب. لكنه خرج من كل ذلك أكثر صلابة، كأنّ المعاناة كانت قدراً يصقل روحه ويعمّق رؤيته.

لقد كان مصداقاً حياً لقوله تعالى: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ)(مريم: 31). فإنه حيثما حلّ، أسّس مدرسة، أو أحيا فكرة، أو أنقذ شباباً تائهاً، أو أغاث مهاجراً أو مهجّراً أو غريباً، أو أعان فقيراً أو محتاجاً، أو أسهم في صناعة وعي جديد.

وفي السادس عشر من جمادى الآخرة، نستذكر الشهيد الشيرازي، الرجل الذي حمل منهج الإمام الحسين (عليه السلام)، وعاش روح كربلاء في زمن كان الصمت فيه هو النجاة.

لقد واجه الطغيان، وكان مدرسة في الشجاعة ورفض الاستبداد. ولم يكن معارضاً سياسياً فقط، بل كان مؤمناً بأن الفكر إذا لم يُترجَم إلى فعل، فلا قيمة له. وكان يقول: "العظماء هم الذين يغيّرون مجرى التاريخ… ومن ظلام دامس يصنعون بحبوحة الأنوار." ما فعله (قده) أنه أخذ ظلام عصره وحوّله إلى شعلة، وأخذ تشتت الأمة وجعله مشروعاً، وأخذ آلامه الخاصة وصنع منها أملاً عاماً.

لقد ترك لنا تراثاً فكرياً وروحياً ومؤسساتياً يمتد من كربلاء المقدسة إلى بيروت ودمشق وأفريقيا.
ترك لنا دروساً في مقاومة الطغيان، وفي التحرر من عبودية الأنظمة، وفي أن الإسلام لا يُختَصَر في السلطة، بل يشمل الإنسان الحرّ والمجتمع العادل والحكومة الرشيدة. وهكذا، فإن استذكار الشهيد الشيرازي اليوم ليس ذكرى وعاطفة فحسب، بل مسؤولية .. مسؤولية أن نواصل طريق العمل من أجل الإصلاح والتغيير لاسيما اليوم حيث يعج واقعنا بالأزمات من كل الأنواع.