
|
السيدة الزهراء .. تفكيك عقدة الخلط بين الدين والسلطة |
|
|
|
|
|
|
|
|
الانحراف تحت ستار الدين هو أخطر ما يواجه الإيمان والإنسان على حد سواء
4/ جمادى الآخرة/ 1447
يحيي المسلمون في هذه الأيام ذكرى رحيل سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها). ولأنها "الصديقة والزهراء والبتول" فإن إحياء هذه الذكرى ليس مجرد استذكار لسيرة شخصية عظيمة، أبداً، بل هو وقفة تأمل في منجزها التأسيسي الذي يكتسب أهمية متجددة اليوم، خاصةً في مواجهة أخطر تحديات العصر؛ ألا وهو الاستبداد الذي يتخذ من الدين قناعاً له. عقدة الخلط بين الدين والسلطة لقد كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) رائدة في تقديم وتجسيد منهج للفرز الحاسم بين مفهومين: الحكومات الجائرة التي تدعي الإيمان بالإسلام، لكنها لا تتدين بأحكامه القائمة على العدل والحرية، والإسلام الحقيقي، الذي هو دين العدل والحرية ومكارم الأخلاق. إن هذا الموقف يشكّل ثورة قيمية ضد الاستبداد الديني، الذي يعد أخطر أنواع الاستبداد عبر التاريخ؛ لأن خطره جسيم، وأضراره بالغة، وناره مستعرة تحت ستار القداسة الزائفة، إضافة الى مواجهته عادة تكلِّف خسائر باهظة. وكما أشار الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي(قده)، فإن أهمية موقف السيدة الزهراء مضاعفة؛ لأنها هي من "بدأت بحل عقدة الخلط بين الدين وتصرفات الحكام الظلمة الذين يزعمون أنهم يمثلون الدين". لقد أنقذت السيدة الزهراء (عليها السلام) بذلك الإسلام من خطر الزوال أو التشويه، حين جسّدت – بالموقف واللسان – أن أولئك لا يمثلون الإسلام ولا نبي الإسلام. هذا الفصل الضروري هو الذي منح الأجيال اللاحقة المقياس الإنساني والأخلاقي للتمييز بين الفكرة النقية للإسلام والتطبيق المنحرف للحكام. مواجهة التشويه وفي ظل المشهد العالمي الراهن، حيث تتلبّد سماء المجتمعات الإسلامية عموماً بظواهر الاستبداد والانحراف والفساد الذي يتستر بالدين، تصبح الحاجة ماسة لإحياء وتجسيد موقف السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). لقد قامت السيدة الزهراء (عليها السلام) بـ "إعلان البراءة" من الممارسات الخاطئة لحكام زعموا أنهم مسلمون، مؤكدة أنهم ليسوا إلا "حكاماً متخلفين حكموا المجتمعات الإسلامية بالحديد والنار". إن دلالة هذا الموقف عميقة وواسعة النطاق: دفاع عن المظلوم؛ حيث إن موقفها كان دفاعاً عن المظلومية المطلقة، وإعلاناً لضرورة مواجهة الحاكم الجائر، حتى وإنْ كان يظهر بمظهر المتدين. وإنقاذ للمبدأ، فقد رسخت (عليها السلام) أن الانحراف السياسي لا ينبغي أن يُنسَب إلى الشريعة الإلهية النقية، بل إلى سوء التطبيق البشري وسيطرة الأهواء. بناء الأمة الحية اليوم، فإن إحياء ذكرى السيدة فاطمة الزهراء يتجاوز حدود الحزن والعزاء إلى التزام عملي: وهو تجسيد قيمة الفرز التي أرستها، فإن هذه القيمة الإنسانية والأخلاقية لها دور أساسي في بناء: * الفرد الصالح الذي لا يبيع ضميره للسلطة تحت أي غطاء ديني. * المجتمع الواعي الذي يرفض الظلم والفساد مهما كانت الشعارات المرفوعة. * الأمة الحيّة التي تستمد قوتها من جوهر دينها (العدل والحرية) لا من الخضوع للاستبداد. بهذا الموقف التاريخي، قدمت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) منجزاً قيمياً في غاية الأهمية، وهو أن النضال من أجل العدل والحرية هو الجهاد الأصيل للدين نفسه، وأن الانحراف تحت ستار الدين هو أخطر ما يواجه الإيمان والإنسان والمجتمع والدولة على حد سواء. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|